ساعة الحقيقة وإرادة الحرب

2010-02-10:: الاتحاد

ترجمة :

 يوم الأحد، في الثاني من فبراير 2010، وفي الوقت الذي كان الجيش الاسرائيلي يقوم بمناورات في النقب، قيل أنها تحاكي هجوما على الأراضي السورية، حذر وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك من خطر نشوب "حرب شاملة" بين اسرائيل وسوريا اذا لم يتوصل البلدان الى تسوية سياسية بينهما.

وفي 4 من الشهر نفسه، أي بعد ثلاثة أيام، أعلن وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان، ردا على تصريحات مسؤولين سوريين، أن على سورية أن تقبل سلاما مع إسرائيل من دون المطالبة بالجولان، مهددا بأن أي حرب جديدة لن تعني هزيمة سورية وإنما أكثر من ذلك إطاحة نظام حكمها. وقال إنه لا يمكن التسامح مع أقوال وزير الخارجية السورية الذي رد ردا سلبيا على دعوة وزير الدفاع الاسرائيلي باراك لتوقيع اتفاقية سلام مع سورية. وختم حديثه بالقول إن تساهل سورية مع الارهاب يجعلها عضوا في محور الشر. ولم ينس ليبرمان في المناسبة أن يؤكد للفلسطينيين، "فياض" و"أبو مازن"، أن رفضهم الدخول مباشرة في المفاوضات لن يحرمهم من الحصول على دولة في غضون سنتين وإنما سوف يجعلهم يخسرون السيطرة على "يهودا والسامرة" كما حصل لهم مع غزة.

لا يعتقد أحد أن مثل هذه المناورات العسكرية والسياسية والخطابية تحمل خطر تفجير نزاع أو اندلاع حرب. والسبب أن إسرائيل التي تواصل تهويد الضفة الغربية والقدس بصورة منهجية، وفي مأمن من أي نقد أو اعتراض، بعد أن أحبطت مبادرة الرئيس الأمريكي لإعادة إطلاق مفاوضات التسوية السياسية من جديد، ليس لها أي مصلحة في قلب الطاولة الآن. أما العرب فهم في عالم آخر تماما، وفي حالة من التفكك والترهل والانقسام تمنعهم حتى من التفكير في ما يحصل في منطقتهم أو على مستواها العام، وأي خروج من الهجوع القطبي المسمى استراتيجية سلام يحتاج إلى سنوات من العمل المضني للم شتات العرب والتوفيق بينهم وبث الحياة فيهم وإقناعهم بوجودهم كطرف سياسي أو عسكري قادر على التفكير والتقرير والمبادرة الجماعية. بينما ليس من الوارد ولا الممكن ولا المحتمل أن يفكر أي طرف منهم على حدة باستراتيجية مواجهة منفردة مع إسرائيل، وليس لأي منهم مصلحة في ذلك. أما الكتلة الغربية، الأمريكية الأوروبية، التي لا تزال تحتكر القرار الدولي في ما يسمى بالشرق الأوسط وتصوغ أجندة المنطقة السياسية، فهي أبعد الأطراف عن الرغبة في التورط في الحرب. وربما لم يكن هناك هدف آخر للانتشار العكسري الواسع الذي قامت به واشنطن في الشهر الماضي في المنطقة سوى قطع الطريق على احتمال نشوء أي توتر أو نزاع أو حرب. وقد فسره العديد من المحللين الاستراتيجيين عن حق بأنه تعبير عن تسليم الولايات المتحدة بالأمر الواقع الذري الايراني، وأن ما تفعله لا يعدو أن يكون تطمينا لحلفائها وسعيا إلى بناء حد أدنى من التوازن الاستراتيجي مع ايران.

إذن ليس هناك بالتأكيد حرب قريبة عربية اسرائيلية. لكن كل ما تقوم به إسرائيل منذ استلام نتنياهو السلطة في تل أبيب هو في المقابل تاكيد لإرادة الحرب.

وبالرغم من محاولة رئيس الوزراء الاسرائيلي الأخيرة طمأنة سورية بعد تصريحات وزير خارجيته النارية، ودعواته المتكررة للاسد من أجل استئناف المفاوضات، وعدم الكلل من تأكيد سعي اسرائيل للسلام والمفاوضات مع دمشق من دون شروط، لم يقم وزير الخارجية الاسرائيلية إلا بالتعبير بصوت عال عما يفكر فيه القادة الاسرائيليون الحاليون، وربما أغلبية النخبة الاسرائيلية، بصوت منخفض حتى لا يسمعهم أحد. فجوهر السياسة الاسرائيلية كان ولا يزال، هضم الأراضي المحتلة في فلسطين وسورية معا، أما الحديث عن السلام والمفاوضات فهي وسيلة لكسب الوقت وتخدير الرأي العام العالمي.

وليست تصريحات ليبرمان هي التي فضحت ذلك وإنما أفعال القادة الاسرائيليين جميعا من كاديميين وليكوديين. يكفي من أجل إدراك ذلك التدقيق في مسار التفاوض العربي الاسرائيلي المستمر من دون ثمرة منذ عقدين. فكلما وصلت المفاوضات إلى نقطة حاسمة وأعتقد الجميع أن الهدف أصبح في متناول اليد، لا يعدم الاسرائيليون وسيلة لإجهاضها أو دفعها إلى الانهيار. أما هذه المرة التي بدا فيها رئيس الدولة الكبرى الحامية لاسرائيل والمنافحة عنها حاسما في بحثه عن الخروج بنتيجة من المفاوضات، عمل الاسرائيليون المستحيل من أجل تقويض انمبادرة من الأساس. ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي ضرورة وقف الاستيطان نشرت الحكومة الاسرائيلية خططا جديدة لتوسيع الاسيتطان في القدس والضفة الغربية. وكلما حاول الامريكيون والاوروبيون رتق الخرق عاد الاسرائيليون لتوسيعه بمبادرات مناقضة. وفي الوقت الذي لا يكف فيه الأوروبيون والأمريكيون عن العمل لإطلاق مفاوضات سورية إسرائيلية جديدة بهدف تشجيع دمشق على الابتعاد عن طهران، لم يجد الاسرائيليون أفضل من تنظيم مناورات عسكرية تمثل هجوما على سورية ثم التهجم على الرئيس السوري نفسه وتهديده لقطع الطريق على أي أمل في بعث مفاوضات السلام.

في اعتقادي أن مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهذه هي حسنتها الرئيسية، أوصلت المفاوضات العربية الاسرائيلية إلى نهاية المطاف عندما أعلن أكبر مسؤول أمريكي أنه يريد لهذه المفاوضات أن تحرز نتيجة ملموسة وتنتهي بولادة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وقد وجدت إسرائيل نفسها أمام تحد حقيقي هو الاختيار أخيرا، وبعد مماطلة وتهرب داما عقودا، بين الالتزام بخوض مفاوضات سياسية جدية أو تمديد الوضع القائم، فاختارت من دون تردد وبغطرسة أساءت لأعظم حلفائها، الحل الأخير. ومعنى هذا الخيار، كما عبر عن ذلك ليبرمان عن حق، أن تل أبيب لن تقبل بتسوية تعيد بموجبها الأراضي العربية المحتلة لأصحابها، لا الجولان ولا الأراضي الفلسطينية.

في هذه الحالة لم تبق تل أبيب للعرب خيارا إلا القبول بالاستسلام أو الاستعداد للحرب. فبقاؤهم مكتوفي اليدين بينما تواصل اسرائيل تهويد الاراضي والقضاء على أمل استعادتها بالطرق السياسية، يعني بوضوح تسليمهم بالأمر الواقع، أي بإملاء إسرائيل إرادتها على المنطقة والتحكم بعد ذلك بكل ما يجري فيها، بما في ذلك تعيين الأنظمة وتغييرها، كما عبر عن ذلك من دون تورية ليبرمان. وثمن القبول بمثل هذا الإملاء سيكون أكبر بكثير، ليس بالنسبة للسلطات والنظم التي تحتل إسرائيل أراضيها فحسب، ولكن للدول العربية بأكملها، بل ولدول المنطقة الأخرى غير العربية، من أي حرب. ولأن إسرائيل تعرف أنها توجه اليوم تحديا للعرب لا يمكن السكوت عنه، فهي معنية، لردعهم عن التفكير بأي تراجع عن خياراتهم السابقة كرد فعل، بأن تسمعهم قعقعة السلاح وجاهزيتها العليا للقتال في أي وقت.

وأخشى أن لا يكون قد بقي للدول العربية، بعد تقويض إسرائيل أسس أي محادثات سلمية، خيار آخر، إذا أرادوا الحفاظ على صدقيتهم وهيبة سلطاتهم، أمام أنفسهم وشعوبهم والرأي العام العالمي، ولم يقبلوا التسليم لاسرائيل باحتكار قرار المنطقة وتحديد اجندتها، سوى العودة الأليمة للحرب. وأنا أعرف أن مثل هذا الخيار لا يقل، في حالتهم اليوم، مرارة عن تجرع كأس السم.ش