حول التدخل التركي في سورية والصراع الجاري في عفرين

2018-01-22:: موقع د.برهان غليون

ترجمة :

للأسف اتخذ النقاش حول التدخل العسكري التركي في عفرين ونتائجه الكارثية على العلاقات التركية الكردية، لكن ايضا الكردية العربية والعربية التركية في سورية، طابعا عاطفيا، اتهاميا وانتقاميا، بدل أن يدفع إلى التفكير في عمق المأساة التي يعيشها السوريون والتي يجسد الصراع في عفرين وحولها اليوم مثالها الأبرز. يحصل هذا التأجيج لمشاعر الكراهية والخوف من الآخر مع العلم ان الأطراف السورية تدرك أن القوى المتصارعة أصبحت جميعا تقريبا أسيرة الاستراتيجيات الدولية التي تتصارع على الارض السورية، والتي نجحت في تحييد الشعب السوري من خلال التلاعب بمشاعر أبنائه وتطلعات جماعاته، ولم يعد للعديد من هذه الجماعات خيار آخر.
وتكاد الصفحات تخلوا من مساهمات جدية تسعى إلى فهم ما يجري وتحليل مخاطره والبحث عن حلول تساعد في المستقبل القريب على تجاوزه، تتبارى المساهمات التي تعكس الاحتقان الشديد بين تيارات واطياف الشعب السوري، وتعمل على تعميق الانقسام والتوتر والعداء بين الجماعات المتعايشة على الارض الواحدة، والتي لاخيار آخرا لها غير التعايش، منذ آلاف السنين .
ما يحصل في عفرين هو جزء من هذه المأساة السورية وثمرة تضافر أخطاء مشتركة لأصحاب القرار السياسي لدى كل الأطراف المنخرطة في الصراع: الحركة التحررية الكردية التي اختصرت بحزب الاتحاد الديمقراطي بعد اندلاع الثورة، وفي صف القيادة التركية التي أخفقت في الاستجابة السريعة والجدية لتحديات الثورة السورية وفشلت منذ عقود في ايجاد حل للقضية الكردية الملتهبة في تركيا نفسها، ووضع حد للحرب الكردية التركية الطويلة الكامنة والمتفجرة معا. وأخطاء أكبر ارتكبتها مؤسسات المعارضة السورية التي اظهرت باستمرار، وتقريبا في كل المنعطفات، ذيلية لا تحسد عليها تجاه الدول الصديقة أو الداعمة بدل أن تبادر إلى التوسط وإطلاق مبادرة لتحييد عفرين، وإخراج المقاتلين، وحماية المدنيين، وفتح حوار داخلي حقيقي يضمن التوافق بين مطالب المجتمع الكردي المشروعة ومصالح الشعب السوري ويساعد على الحفاظ على وحدة سورية واستقلالها وسيادتها، وإعادة بنائها على اسس ديمقراطية سليمة، والتعاون على إخراج جميع القوى والميليشيات الأجنبية من أراضيها.  
مهما كانت النتائج لهذا التدخل التركي ستكون عواقب استمرار هذه السياسات الخاطئة وخيمة على السوريين أولا، عربا وكردا،  وعلى المنطقة والاستقرار الاقليمي ثانيا، وعلى ثقة شعوبنا بالمستقبل أيضا.
لن ينقذنا ويضع حدا لجرينا المريع نحو الانتحار سوى مراجعة جدية وعميقة من قبل جميع الاطراف لهذه الاخطاء الماضية الحاضرة، والاعتراف الحقيقي والمتبادل بالحقوق المتساوية، والمصالح المشتركة في الأمن والسلام والاستقرار والازدهار.
جميعنا، عربا وكردا، أكثرية وأقلية، مسلمين وغير مسلمين، محرومون، في ظل الاستبداد المقيت والتدخلات الأجنبية، من وطن يحمينا، ويحفظ حقوقنا، ويلبي تطلعاتنا، إلى الكرامة والحرية، وجميعنا اختار الطريق الخطأ للتعبير عن هذا التطلع المشروع والنبيل، ووسائل تحقيقه في الواقع.
وجوهر هذا الخطأ، الواحد والمشترك، الذي لغم خططنا جميعا، وأجهض خياراتنا، منذ عقود وحتى الآن، هو تمسكنا، في مناخ غياب الحوار وانعدام التفاهم، بسياسة فرض الأمر الواقع، سواء جاء بالقوة الذاتية أو بالعنف المستعار، والرهان على التدخلات الخارجية، حتى لو احتاج الأمر إلى التواطؤ مع الأجنبي، والعدو أحيانا، ضد الأطراف الأخرى المحلية والشريكة في الوطن، بل ضد الوطن نفسه.
ومن المؤكد أنه من منطق فرض الأمر الواقع لا ينبع أي حل، وإنما تعميق الخلافات وتأجيج النزاعات ودفع الصراع إلى مزيد من التعقيد، وتاجيل الحل إلى ما لانهاية، إن لم يكن جعل أي حل مستحيل المنال.