تناقضات المصالح والأهداف في مشروع احتلال العراق

2003-09-17:: الاتحاد

ترجمة :

 

 لم يعد أحد ينكر أن الإدارة الأميركية تعاني من مشكلات كبيرة في العراق، بما في ذلك هذه الإدارة نفسها· والعديد من قادة الحزب الديمقراطي الأميركي الذين أيدوا بحماس خيار الحرب على العراق يتهمون القيادة الأميركية بالافتقار إلى خطة وبرنامج واضحين لإدارة عراق ما بعد الحرب· وهو ما اضطر الرئيس الأميركي إلى أن يحدد بشكل أدق أهداف سياسته في العراق في خطابه الأخير في منتصف سبتمبر الجاري ·2003
يرجع المحللون هذا التخبط الواضح في السياسة الأميركية في العراق إلى استسهال الإدارة الأميركية مسألة إدارة ما بعد صدام وعدم الإعداد الكامل لها· وربما كان سبب ذلك الاعتقاد المبسط بأن ما تقوم به واشنطن في العراق هو تحرير للعراقيين من نظام صدام حسين الديكتاتوري وبأنه لا يمكن أن توجد أية حوافز كي يرفض الشعب العراقي، الذي عانى بشدة من هذا النظام، السير وراء أية حكومة جديدة تعمل على تشكيلها الإدارة العسكرية الأميركية وتعده بإعادة إعمار البلاد وبالديمقراطية· لكن التجربة بينت من جهة أنه كان من الصعب على الإدارة الأميركية أن تخفي مطامعها في العراق بعد أن رفضت كل الاقتراحات الدولية المتعلقة بوضع المرحلة الانتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، بل بمشاركة الدول الكبرى الحليفة في المسؤولية السياسية· كما بينت من جهة ثانية أن من الصعب على الشعب الذي عانى الأمرين من النظام الديكتاتوري العراقي أن يتخلى ببساطة عن سيادته لسلطة أجنبية، حتى لو كانت هذه السلطة هي الأداة التي حصلت بها إطاحة النظام العراقي·
لكن في ما وراء هذا الاستسهال الأكيد للوضع، يبدو لي أن من الصعب فصل تخبط الإدارة العسكرية الأميركية في العراق عن مسألة أكبر وأهم هي اختلاف وأحيانا تناقض أولويات أو أجندات الحروب التي تخاض في ظل احتلال العراق، والتي تفسر هذا الاحتلال وطبيعته كما تفسر عجز الإدارة الأميركية في واشنطن عن إصلاح سياساتها ومراجعة حساباتها في العراق والشرق الأوسط على رغم مرور أشهر عديدة على الاحتلال·
وفي اعتقادي أنه ليس لحرب العراق واحتلاله أجندة واحدة ولكن ثلاثا على الأقل· الأولى هي أجندة حرب الهيمنة الدولية التي تشمل بنودها الحفاظ على التفوق الأميركي العالمي من خلال القضاء على نظم وترسانات الأسلحة الاستراتيجية أو أسلحة الدمار الشامل، سواء أكان ذلك في العراق أو في أية دولة أخرى، وحظر تنامي ترسانات الأسلحة النووية، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية وتوسيع دائرة السيطرة الإقليمية· فغاية الولايات المتحدة التي أدركت قوتها الاستثنائية ووجدت نفسها بالفعل في موقع القيادة والسيادة العالمية هي العمل على ترسيخ أسس قوتها وسيطرتها حتى تضمن لها الديمومة· وهو ما يستدعي الحفاظ على التفوق وعدم التفريط بأي موقع مكتسب والسعي إلى الإمساك بأكثر ما يمكن من أوراق القوة الدولية· وتعني الترجمة الشرق أوسطية لهذه الأجندة العمل على التحكم بمنابع الطاقة واحتياطياتها، كما تعني تعزيز التحالف الأميركي الاسرائيلي لقطع الطريق على أية معارضة إقليمية عربية، وأخيرا تقزيم الدول العربية وترويع نخبها وأنظمتها لمنع نشوء أية حركة تعاون أو اندماج أو تفاهم إقليمي ينتج عنه ازدياد في هامش مناورة المجتمعات العربية الاستراتيجي وربما احتمال تحول تدريجي في ميزان القوى الاقليمية·
ومن هذه الزاوية يشكل مشروع احتلال العراق أداة من أدوات الاستراتيجية الجديدة الرامية إلى إمساك واشنطن بأهم أوراق وعناصر التفوق الاستراتيجي واستخدام النفط وسيلة من وسائل التنافس والصراع العالمي الراهن على تحقيق الأسبقية الاقتصادية والاستراتيجية، وبالتالي التحكم بموقع القيادة الدولية وما يعنيه من تحديد جدول أعمال السياسة العالمية·
والثانية هي أجندة إسرائيلية أو تخص بالدرجة الأولى إسرائيل التي لم تدفع بجيوشها إلى ساحة المعركة ولكنها متواجدة فيها بقوة بفضل ممثليها في البنتاغون والبيت الأبيض· وتقضي مصلحة إسرائيل في الحرب العراقية العمل بأقصى ما يمكن على تحطيم العراق من حيث هو قوة عسكرية وسياسية وتفتيته وقطع الطريق على أي احتمال لإعادة بنائه، وإذا أمكن، دفعه نحو الاقتتال الداخلي والعنف والفوضى الشاملة·
وليس هناك ما يمكن أن يفسر الطريقة التي تصرفت بها القوات الأميركية البريطانية تجاه الدولة العراقية القائمة ومؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية سوى السعي إلى تدمير العراق كدولة وكوحدة سياسية وكمصدر محتمل في المستقبل لإعادة بناء قوة عسكرية يمكن أن تغير في موازين القوى الإقليمية· وليس هناك ما يفسر إرادة سلطات الاحتلال في نشر الفوضى والتشجيع عليها سوى رغبتها في تفجير الصراعات والنزاعات الداخلية الطائفية والأقوامية بهدف تفكيك العراق نفسه ومنعه من إعادة لمّ شمله واستعادة قدراته وموقعه في التوازنات الإقليمية·
ومما يزيد من صدقية هذه النظرية أن دفع العراق نحو الفوضى والانهيار الكامل لا يتماشى مع مشروع السيطرة الأميركية الراهن على المنطقة· بل إنه يسيء إلى المصالح الأميركية وإلى الشعارات التي ترفعها واشنطن باسم الديمقراطية والحرية والتخلص من الاستبداد ومن أجل السلام والتغيير والإصلاح· فالاسرائيليون يعملون بالفعل، من خلال ممثليهم في الإدارة الأميركية، سواء أكانوا من المسيحيين المتصهينين أو من الصهاينة الفعليين، على تجيير الحرب الأميركية على العراق لخدمة مصالحهم الإقليمية الخاصة فحسب، ولا يهمهم إن أدى ذلك إلى تقويض مشروع السيطرة الأميركية· وهو ما يحصل الآن أو هو في طريق الحصول·
أما الأجندة الثالثة التي تفسر ما يجري في العراق فهي أجندة ما تم التعارف على تسميته بالحرب الحضارية التي انتقلت بسرعة إلى أرض العراق بعد أن شهدت حلقاتها الأولى في أفغانستان ثم في واشنطن ونيويورك نفسها·

وهي حرب يغذيها الاعتقاد لدى قسم من القادة الأميركيين، منذ الحادي عشر من سبتمبر ،2001 بصرف النظر عن صلتهم بشركات النفط أو بإسرائيل، أن ما نعيشه اليوم هو صراع بين الثقافة والحضارة الغربية العقلانية والديمقراطية والثقافة والحضارة العربية الاسلامية المناهضة لهذه القيم والقائمة على قيم وتقاليد محافظة لاهوتية واستبدادية ولا إنسانية· وتساعد مثل هذه الطروحات على التغطية على حقيقة الحربين الأساسيين، أعني حرب الطاقة وحرب التمكين التاريخي لاسرائيل في الشرق الأوسط، وتظهرهما كما لو كانتا حربين أخلاقيتين تخاضان باسم القيم الإنسانية وفي سبيل تأكيدها ضد البربرية والهمجية· وأجندة هذه الحرب هي التي تفسر ما تعرض له العراق من تدمير غير مفهوم للوهلة الأولى لمكتبات العراق ومتاحفه وآثاره التاريخية وكل ما يرمز إليه كثقافة ساهمت في تقدم الحضارة الإنسانية· وليس المقصود من هذا التدمير محو ذاكرة العراق وتراثه الثقافي والحضاري فحسب لقطع المجتمع عن جذوره وتشويه شخصيته وإعادته إلى حالة الضياع والهمجية وإنما، أكثر من ذلك، توجيه ضربة قوية إلى الحضارة العربية ومحو آثارها على الأرض، عبر أحد أهم مراكزها الثقافية والتاريخية·
كانت لدى الإدارة الأميركية فرصة أكبر لتحقيق سيطرتها على العراق وما يمثله من موقع جيوسياسي ونفطي استراتيجي لو لم تتبن خيار تدمير الدولة العراقية بكل ما يعنيه ذلك من حل الجيش والإدارة والشرطة وجميع المؤسسات القانونية والقضائية الأخرى· كما كان بإمكان الولايات المتحدة أن تحتفظ بهامش مناورة استراتيجية أكبر في وجه القوى المناوئة للغرب وقيمه لو لم تربط بين الحرب العالمية ضد الارهاب والسعي إلى تغيير الثقافة العربية الاسلامية· لكن تبين هذه الاختيارات الطابع المتناقض لمشروع السيطرة الأميركية العالمية في العراق وخارجه، أي تناقضات هذا المشروع الداخلية التي تفسر وحدها ما تواجهه السياسة الأميركية الراهنة من مطبات وطرق مسدودة في كل صعيد·