بعد أن خسرت خيار السلام اسرائيل تخسر خيار الأمن

2002-06:: الوطن

ترجمة :

ما يحصل لاسرائيل هو الأمر نفسه الذي حصل للولايات المتحدة في فيتنام عندما اعتقدت أنها تستطيع بتدمير البنية التحتية للمقاومة الفيتنامية وحرق الأرض تحت أقدامها, وبالتالي تدمير البنية التحتية للشعب الفيتنامي نفسه الذي يأوي ويحمي هذه المقاومة ويغذيها بأرواحه وموارده, وكانت النتيجة أنه لم يبق فيتنامي واحد, لا طفل ولا شيخ. لم ينخرط في الأعمال القتالية ضد الاحتلال الأمريكي أو لم يؤمن بأن هذا الانخراط هو الشيء الوحيد المتبقي له للدفاع عن حياته أو اعتقاداته أو راحته المنزلية. فكلما دمرت اسرائيل من مباني وزهقت من أرواح -  كلها برئية لأنها تعمل جميعا دفاعا عن النفس والأرض لا بدافع العدوان -  كلما برهنت للسكان الفلسطينيين الذين بقوا خارج المعركة بأنه لم يعد لهم خيار آخر سوى الدخول فيها والمشاركة الفاعلة في نشاطاتها. فبدل الردع الذي تهدف اليه قوات الاحتلال وما ينجم عنه من رعب يجمد الناس تدفع الغارات المستمرة لجييش الاحتلال الى العصيان والثورة وتعمق الشعور بالحقد والكره والضغينة. وكما هو الحال لدى جميع سلطات الاحتلال التي عرفها التاريخ تعتقد القيادة الاسرائيلية أن ما حصل لغيرها من قبل لن يحصل لها لأنها تتمتع بمزايا استراتيجية وقدرات تكتيكية لم تكن تتمتع بها الاحتلالات الأخرى. ففلسطين ليست بعيدة عن اسرائيل ولكنها داخلة فيها وليس لسكانها مهرب إذا أرادوا الحفاظ على بقائهم سوى الاعتماد على اسرائيل واستجداء موافقتها سواء فيما يتعلق بتوفير الغذاء أو الماء أو الوقود أو التنقل أو التعليم أو العمل أو أي شيء آخر. ففلسطين موجودة بالفعل في قبضة القوة الاسرائيلية وهي قبضة قوية جدا وقادرة على انزال عقوبات لا حدود لعنفها بكل من يتطاول عليها, ومهما فعل الفلسطينيون والعرب الذين يدافعون عنهم أو يناصرونهم فلن يكون بإمكانهم كما تعتقد تل أبيب أن يفلتوا منها. اسرائيل فلسطين ليست إذن أمريكا فيتنام. ومن الصعب ان تجد اسرائيل نفسها غارقة في وحل الخراب الفلسطيني الذي تحدثه كل يوم وتضاعف من حجمه. وهي تستطيع أن تخرج منها في أي لحظة أرادت. وبالمثل تعتقد اسرائيل أيضا أن فلسطين ليست فيتنام الستينات ولا يمكن مقارنة الدعم الذي يقدمه أو يمكن أن يقدمه لها العالم العربي بالدعم الذي كانت تحصل عليه الفيتنام من المعكسر الشيوعي في الصين أو الاتحاد السوفييتي. وبالمقابل تستطيع اسرائيل بعد دفن مناخ عصر الحرب الباردة أن تعتمد على دعم غير مسبوق ولا محدود من الولايات المتحدة التي تشكل القوة العظمى الوحيدة المسيطرة اليوم وتعامل اسرائيل كشريك أول لها من بين دول العالم جميعا. وكل هذا يوحي للاسرائيليين بأنهم سوف يربحون الحرب لا محالة ضد ما يسمونه بالارهاب وأنه لا يوجد هناك أي  خطر في أن يجدون أنفسهم فجأة متورطين في حرب دموية غير نظامية لا نهاية لها أو أن لا ينجحوا في إخضاع الفلسطينيين وفرض الاستسلام والأذعان عليهم جميعا مع كل ما يتوفر لاسرائيل من قوة وتغطية سياسية عالمية وعطالة أممية.

والواقع أن واشنطن لم تكن تفكر بطريقة أخرى عندما كانت تخوض حربها التي سيعمدها الرأي العام الدولي فيما بعد باسم حرب فيتنام القذرة في فيتنام. فقد كانت تعتقد هي أيضا أن لديها من القوة العسكرية والتقنية الاليكترونية والتفوق اللوجستي والميداني والحنكة العسكرية والخبرة التاريخية والمكانة الدولية ما يمكنها من تحويل المقاومين الفيتناميين في أشهر قليلة الى رماد مع كل ما يستخدمونه من وسائل بدائية للقتال والمواجهة. ومثلما تمني اسرائيل نفسها اليوم بأن المقاوميين الفلسطينيين ليسوا سوى عصابة صغيرة من القتلة والارهابيين الذين يأخذون المدن رهائن ولا موقع لهم فيها ولا علاقة بالمجتمع الفلسطيني الذي ينظر إليهم على أنهم عناصر أجنبية أو فاسدة وديكتاتورية يمكن بسهولة عزلهم وتحييدهم وابعاد أثرهم عن أغلبية الشعب كانت واشنطن ترى أيضا في المقاوميين الفيتنامين زمرة صغيرة من الشيوعيين الارهابيين المتطرفين الذين يدعون لأقامة سلطة ديكتاتورية ويجبرون الأهالي على التعامل معهم بالابتزاز والقتل والتجويع ولن يكون هناك بالتالي أي صعوبة في عزلهم وتقويض سلطتهم وسيطرتهم على الأرض. ومثلما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد بأن نفوذها في العالم وقدرتها على التأثير على مصائر المجتمعات وعدد الشعوب والدول التي تحتاج الى مساعدتها والأنظمة السياسية التي تعتمد على حمايتها وتعاونها داخل الامم المتحدة وخارجها يؤهلها لأن تخوض حربها بحرية كاملة ويحميها من مراقبة الرأي العام العالمي وإداناته وبالتالي تعفيها من ايلاء اذن صاغية لتقارير منظمات حقوق الانسان وغيرها  حول المجازر والانتهاكات الصارخة للقوانين الدولية, تعتقد اسرائيل, وحكومتها الحالية بشكل أكبر, أنها قادرة أكثر من أي دولة أخرى على المراهنة على قوتها العسكرية وحدها وعدم اهتمامها بمراعاة ما تنشره أو تقوله منظمات حقوق الانسان واعتبار كل ما تردده وما تنشره من تقارير لا يزيد عن أن يكون كلاما روتينيا فارغا طالما لم يكن من الممكن ترجمته الى قوة ميدانية. ولعله مما يطمئن اسرائيل بصورة أقوى في هذا الميدان ثقتها بما تتمتع به من دعم وتأييد عالميين لا شك فيهما. فهي الدولة الوحيدة التي تملك رصيدا لا ينفذ من العطف والرعاية والمساعدة اللامشروطة من قبل دول وقطاعات واسعة من الرأي العام الدولي بسبب ما تعرض له اليهود في التاريخ القريب من مذابح جماعية وما عانوه من أشكال التمييز العنصري والديني المختلفة المعترف بها والمدانة من قبل المجموعة الدولية.  وبإمكان الاسرائليين بسهولة أن يستغلوا هذا الرصيد من دون حدود في سبيل إخراس أي صوت يبدي حماسا كبيرا للفلسطينيين أو يبالغ في الكشف عن إساءات قوى الاحتلال الاسرائيلية. فإسرائيل لم تعد في نظر ابنائها دولة شعب الله المختار في الواقع ولكن أكثر من ذلك شعب الانسان المختار والدولة ذات الحظوة العالمية التي تجعل منها أو جعلت منها حتى الآن تتمتع بحصانة استثنائية تبيح لها أن تعمل على هامش أي قانون دولي أو على حافة القانون أو خارج القانون من دون أن يطالها أي نقد أو أن تتعرض لأي توبيخ أو تنتظر أي ادانة حقيقية من قبل قطاعات الرأي العام العالمي النافذة وذات المسؤوليات الدولية والسياسية.

لكن الولايات المتحدة القوية المتقدمة تقنيا ولوجستيا وسياسيا خسرت الحرب في فيتنام واضطرت الى الانسحاب منها والاعتراف بها وهي الدولة الصغيرة الفقيرة الجائعة. ولم يتوقف أمر الهزيمة الأمريكية على سحب القوات العسكرية والاعتراف بالحكومة الشيوعية ولا بمبادرة هذه الحكومة الى توحيد فيتنام وبالتالي القيام بضم فيتنام الشمالية وإلحاقها بها بحسب العبارات الأمريكية ولكنه ذهب أكثر من ذلك بكثير ليولد ما سوف تسميه الأدبيات النابعة من هذه الحقبة التاريخية بعقدة فيتنام الأمريكية. والمقصود أن قوة الصدمة التي أحدثتها الهزيمة من جهة والكشف عن الجرائم اللامحدودة التي ارتكبتها الادارة الامريكية وقواتها تجاه شعب فيتنام الأعزل الذي كانت تدعي الدفاع عن حرياته وحقوقه ضد الشيوعية قد أحدث انهيارا نفسيا كبيرا داخل الوعي الأمريكي ذاته أي داخل وعي كل أمريكي بسبب ما شعر به من سقوط أخلاقي لا نظير له للامة الأمريكية وانحدارها في ما مارسته في فيتنام من فظائع الى أدنى قاع الهمجية.

لم يسعف امريكا في هذه الهزيمة أنها حاربت قوة شيوعية صغيرة يقودها رجال نحال معدمين وتقريبا من الحفاة والعراة ولا كونها ديمقراطية قديمة يتمتع شعبها بالحريات والانتخابات الدورية لمجلسي النواب والشيوخ, ولا ساعدها على الخروج من محنتها نفوذها العالمي الواسع وقوتها كدولة عظمى بالرغم من استمرار هذه القوة وعدم تراجع المكانة العالمية للقوة الأمريكية. ذلك أن كل ذلك لا يبرر الهزيمة ولا يخفف من الشعور بصدمة السقوط الأخلاقي.

بالتأكيد لم يأت توسيع دائرة الحرب والقبول بعشاوئية ردود الفعل ولا عقلانية الانتقام من السكان الآمينين بتدمير حقولهم ومزارعهم واغتصاب بناتهم وقتل أبنائهم, لم يأت ذلك كله بالصدفة ولا جاء عبثا ولكنه التعبير عن مضمون المواجهة العسكرية والسياسية نفسها أي : السيطرة على مصير شعب للتلاعب به واستغلال موارده الجيوسياسية في خدمة أهداف الهيمنة الأمريكية الاقليمية والعالمية من جهة, وإرادة التحرر والاستقلال والعيش بكرامة ورفض شعب التنازل عن سيادته وتحكمه بمصيره وحرية اختياره  من جهة ثانية.بما كان من المفيد للقيادة الاسرائيلية السياسية والفكرية وبشكل خاص لؤلئك المثقفين اليهود المقيمين في الخارج والمدافعين دفاعا أعمى عن سياسات اسرائيل الاستعمارية والاستيطانية وفي مقدمهم كلود لنزمن الذي كتب في اصحيفة اللوموند الفرنسية يهاجم كل من أعلن تعاطفه من الأوربيين والغربين مع الشعب الفلسطيني ويتهمه باللاسامية أن تطرح على نفسها هذا السؤال الذي لم يكن يوما راهنا كما هو اليوم على ضوء حركة الدبابات والطائرات والاغتيالات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية : لماذا خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام ؟  لم يكن ذلك بالتأكيد  بسبب عدم توفير الامكانيات المالية أ و العسكرية أو التقنية أو بسبب التردد الامريكي أو بسبب انعدام ايمان القيادة الامريكية بالمعركة التي كانت تخوضها أو بسبب القوة الاستثنائية التي كانت تتمتع بها جبهة التحرير الفيتنامية. لقد خسرت الحرب لأنها بتوسيعها دائرة الهجوم والتدمير والانتقام وقتلها البريء والفاعل بحثا عمن كانت تسميهم هي أيضا بالارهابين والمخربيين أو في سبيل ردع السكان عن حمايتهم أو التعامل معهم حولت جميع الشعب الى أعضاء عاملين في جبهة التحرير بما في ذلك اولئك الذين لايكنون أي مودة لها.  وبإدخالها الشعب الفيتنامي كله في المعركة وعدم تركها الاختيار لأحد حولت واشنطن معركة الشيوعيين العقائدية ضد النظام الفيتنامي الى معركة وطنية وأصبح الصراع ضد الادارة الفيتنامية الفاسدة بسرعة اصراعا ضد ما أصبح يبدو بكل المعاني غزوا أمريكيا للأراضي الفيتنامية. أما في فلسطين فإن الانتفاضة التي بدأت وطنية قد أصبحت دفاعا عن الوجود والبقاء بالنسبة لكل فرد.

لن يعمل منطق الرد الانتقامي وتوسيع دائرة الخراب والهدم والقتل الأعمى في فلسطين الذي تتبناه القيادة الاسرائيلية في مواجهة العمليات الاستشهادية الفلسطينية و|كل أشكال المقاومات الأخرى في تحسين شروط الأمن والاستقرار في اسرائيل ولن يمكنها من ان تقضي على روح المقاومة الفلسطينية التي تغذيها عمليات القتل والهدم والتخريب ذاتها  ولكنها سوف تدفع اسرائيل الى المزيد من الغرق في وحل الحرب التدميرية التي عرفتها المواجهة الفيتنامية الأمريكية قبل أن تضطر الولايات المتحدة الأمريكية للخروج مكلومة في روحها العسكرية والمعنوية.  وإذا لم تدرك اسرائيل ورأيها العام الأكثر تفتحا وعقلانية أن مثل هذه السياسة لا يمكن أن تشكل حلا بأي وجه للمشكلة الحقيقية التي تكمن وراء الصراع, وهي مشكلة شعب يرزح منذ عقود تحت الاحتلال البغيض بعد أن تعرض لأكثر من قرن من غزو خارجي لأراضيه وأبعد قسم كبير منه عن البلاد وجعل منه شتاتا للمنافي, فليس هناك أي شك ممكن في أن لا تقود المواجهة الراهنة التي لا يزال من الممكن السيطرة عليها الى  حرب اإفناء متبادل بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وما ينطوي عليه استمرارها من خسائر بشرية ومادية ومعنوية وانحدار للمنطقة جميعا نحو تقديس العنف والبربرية.