الولايات المتحدة في مواجهة العالم أو قوة الرأي العام

2003:: الوطن

ترجمة :

 

في الوقت الذي كان فيه مجلس الامن يستمع في جلسته الخاصة في الرابع عشر من شباط فبراير الجاري إلى تقريري فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق كانت مئات إن لم نقل آلاف المنظمات والجمعيات السياسية والمدنية تعد في أنحاء العالم أجمع للتظاهرات الحاشدة التي ستخرج والتي خرجت بالفعل في اليوم التالي في 500 مدينة تنتمي إلى 75 بلدا.

وفي اليوم التالي خرجت ملايين الناس في مدن العالم المختلفة لتعبر عن موقفها من سعي الولايات المتحدة الأمريكية لانتزاع تفويض عالمي بشن حربها القومية على العراق أو بالأحرى بالتهام دولة عربية ومن حيث المبدأ ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة. وقد جاءت المشاركة في التظاهرة العالمية أكبر مما توقع الجميع وبشكل خاص في لندن وروما الدولتين الأوروبيتين اللتين أعلنت حكومتيهما تأييد المشروع الأمريكي. فقد تظاهر في روما ثلاثة ملايين إنسان وفي لندن تجاوزت التظاهرة المليونين. وكان معنى ذلك بشكل واضح تبرؤ الشعبين الايطالي والبريطاني أيضا من سياسة حكومتاهما التبعية.

لكن بصرف النظر عن هذا المعنى ليس هناك شك في أننا نجد أنفسنا هنا أمام ظاهرة جديدة واستثنائية. فهذه هي المرة الاولى التي يشارك فيها هذا العدد من المنظمات المنتشرة على اتساع المعمورة في الاعداد لمسيرة واحدة تغطي جميع المناطق العالمية من دون استثناء وهي المرة الأولى أيضا التي يشارك في مسيرة من هذا النوع هذا العدد الهائل من البشر المنتمين لتيارات فلسفية وسياسية واعتقادات دينية وثقافات وطنية متعددة ومتباينة. وفي السياق نفسه ليس من المبالغة القول أيضا أن هذه هي المرة الأولى التي بدا فيها الرأي العام قوة مؤثرة قائمة بذاتها والتي أصبح فيها الناس يعتقدون بأن من الممكن للرأي العام بالفعل أن يلعب دورا مهما وأكيدا في حركة الأحداث الدولية ويؤثر بالفعل في مجريات السياسة العالمية، ربما أكثر من العديد من الدول الوطنية، بما فيها الكبيرة، ومن التكتلات الدولية التي كانت تشكل حتى اليوم ولا تزال الفاعل الرئيسي في ساحة السياسة الدولية. وهي المرة الأولى التي يمكن أن نتحدث فيها عن رأي عام عالمي بالمعنى الحقيقي للكلمة أي ليس مجرد تجميع حسابي للرأي العام الوطني في العديد من البلاد والأصقاع.

ومن جميع النواحي تشكل هذه التظاهرة العالمية الواحدة الكبرى مفاجأة لجميع الأطراف التي اعتادت العمل في الساحة الدولية. فقد بدا الرأي العام بفضلها أقوى من الحكومات وظهر وزراء خارجية الدول الرئيسية التي شاركت في أعمال جلسة مجلس الأمن الخاصة بالمسألة العراقية في الرابع عشر من الجاري قليلي الوزن بالنسبة لما يجري في الشارع كما بدت تدخلاتهم الكلامية ضعيفة، مكرورة وعديمة المصداقية بالمقارنة مع قوة الرسالة والكلمة التي تصل إلى مستوى الدراما في حركة قوى الاحتجاج العالمية وفي شعاراتها معا. وبالرغم من أن أي إنسان يدرك تماما أن داخل جلسة مجلس الأمن هناك العديد من الدول التي تستطيع باتخاذ قرار فحسب أن تدمر أمما وشعوبا كاملة بصرف النظر عما تفعله الدول الأخرى المعارضة أو ما يقوم به الرأي العام العالمي إلا أن وزير خارجية الدولة الأعظم كولن باول بدا هزيلا ومعزولا ومفتقرا القرار أكثر من أي مرة ظهر فيها على المسرح الدولي.

ما هو مغزى ما حصل وما الذي يفسر بروز هذه القوة الكبر المفاجئة التي يمثلها الرأي العام العالمي بعد سنوات طويلة من الركود والانتظار حتى كدنا في بعض الحالات،  ومنذ أقل من سنتين، نخلد لليأس أمام العدد الهزيل للمشاركين في مسيرات دعم القضية الفلسطينية في أوربة. وما الذي جعل من الممكن تعبئة هذا الحشد الهائل من البشر، الذي تجاوز فيها الأفراد في العديد من الحالات اختلافاتهم وانقسامهم بين حكم ومعارضة، بالرغم من التحفظ الهائل على نظام حكم عراقي ليس له ايجابية واحدة، وبالرغم من الشك الذي لا يمكن تبديده في سلوك قيادة عراقية أمضت ثلاثة عشر عاما من الحصار في تركيع شعبها وترويعه بدل المبادرة للتصالح معه والعمل إلى جانبه في أكبر محنة يمكن أن يتعرض لها شعب.

لم يخرج الناس في كل مكان للمطالبة بوقف محنة الشعب العراقي المستمرة منذ أكثر من إثني عشر عاما، ولا بسبب التعاطف مع القضية العربية ولا تعبيرا عن التمسك بقيم السلام ومباديء التضامن ولا حتى نتيجة كره السيطرة الأمريكية. وليست قيم الكفاح ضد الأمبريالية والدفاع عن مصالح الشعوب الضعيفة هي التي تفسر هذا الحشد الكبير من القوى والتيارات والعناصر التي كونت حركة الاحتجاج ضد الحرب الأمريكية المحضرة على العراق. بل ربما كان وضع العراق ومصير شعب العراق هو أقل ما دار ويدور في خلد أولئك الذين شاركوا بحماسة في المسيرات العريضة المتعددة ورددوا هتافاتها. ولو كان الأمر كذلك لكانت قضية فلسطين التي لا تقل مأساوية عن قضية العراق قد أثارت التعاطف والتضامن نفسهما. وليست إرادة السلام أيضا هي التي حفزت هذه الحشود على الخروج إلى الشارع والتعبير عن احتجاجها. فقد أصبح السلام العالمي شعارا باهتا لا يحرك سوى أولئك المنتمين إلى الحقبة الماضية  حقبة الحرب الباردة ويكاد يكون من غير ذي معنى في سياق الحرب العالمية الطاحنة التي فرضت على جميع الدول والشعوب في إطار إعادة بناء التوازنات الدولية الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

ومن الخطأ في نظري أن نفسر حدوث هذه التظاهرة العالمية الواسعة بعامل التضامن الذي عرفناه في السابق بين شعوب العالم الأول الصناعية المتقدمة وشعوب العالم الثالث الفقيرة كما حصل في حقبة نزع الاستعمار والتخلص منه. فمضمون ما يحصل امام أعيننا يختلف كثيرا عن مضمون تلك الحركات المساندة التي عرفتها الجماعة البشرية في عصر التحرر الوطني والتي أصبح التضامن مع الشعب الفيتنامي في مواجهة الحرب الوحشية الأمريكية التي شنت عليه مثالا ورمزا لها في الوقت نفسه.

 

إن الذي حرك الناس وحفزهم على النزول إلى الشوارع والتعبير بقوة عن أنفسهم، وما يمكن أن يفسر قوة الحركة الراهنة وانتشارها، هو الخوف العميق على نظام العلاقات الدولية العالمي نفسه الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية والذي تريد الولايات المتحدة بحربها ضد العراق تكنيسه تماما لتحل محله نظاما جديدا من العلاقات الدولية قائم على منطق القوة وقاعدة التحكم الانفرادي بالمصائر البشرية العالمية. إنه إذن الدفاع عن مصالحهم وطموحاتهم إلى ضمان الحد الأدنى من الحياة الدولية القانونية والشرعية والتعددية في وجه صعود طاغ للقوة عبرت عنه الاستراتيجية الأمريكية الراهنة والذي لا يهدد العراق وشعبه فحسب ولكنه يخاطر بزعزعة جميع التوازنات الدولية وإعادة ترتيب العالم بما فيه من قوى ومصالح وتيارات على أساس خدمة الولايات المتحدة الأمريكية وضمان تفوقها وسيطرتها العالمية الشاملة. إنه التعبير عن موقف عالمي واحد ضد غطرسة القوة وتحويلها إلى المنطق الوحيد المتحكم بالعلاقات الدولية. لقد أدرك الرأي العالمي أن ابتلاع العراق من قبل الأمريكيين هو الخطوة الأولى على طريق ابتلاع أوربة نفسها وأن تقييد أيدي إدارة الحرب الأمريكية في العراق يعني قطع الطريق على بسط النفوذ الكامل والشامل لواحدية القوة في عالم ما بعد حرب العراق، في أوربة والبحر المتوسط بشكل خاص. وهذا هو الذي يفسر أن أوروبة تكاد تكون قد خرجت عن بكرة أبيها في المسيرات المعادية للحرب الأمريكية وبشكل خاص في الدول التي أيدت حكوماتها هذه الحرب في الوقت الذي لم تتجاوز فيه مسيرة الاحتجاج في العواصم العربية آلاف الأشخاص بل المئات أحيانا. والسبب أنه لا يوجد هنا سوى شعوب مبعدة عن ومستبعدة من الحياة السياسية ومهمشة في حركة الاندماج العالمي. فهي لا تملك لا وعيا بمصالحها الوطنية ولا شعورا بالمسؤولية في تقرير المصائر العالمية.

بالتأكيد ليس الوعي بهذا الخطر ولم يكن واحدا ومتماثلا لدى جميع الأفراد الذين شاركوا في المسيرات. كما أن المشاركة في مثل هذا الهدف والشعور الجامع بخطر زعزعة الاستقرار العالمي وفتح التاريخ على عصر من الفوضى الشامل الذي لا يزال يتنبأ به المحللون السياسيون منذ اكثر من عقد من الزمن لا يمنعا من أن يكون لكل مجموعة وفئة مشاركة دوافعها المباشرة التي حفزتها على النزول إلى الشارع. بيد أنها تشترك جميعا في الخوف الجامع من خطر التقدم نحو عالم قائم على قاعدة القوة المحضة ومفتقر للعدالة والقانون. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن يأتي الحشد الأكثر قوة في أوروبة الغربية نفسها، تلك المهددة أكثر من أي منطقة أخرى بفقدان ميزاتها وموقعها العالمي الجيوستراتيجي والاخلاقي. 

 

لكن في ما وراء ذلك كله، ما كان من الممكن تصور مثل هذه الحركة العالمية للتعبير عن الرأي من دون نشوء عاملين جديدين افتقرت إليهما حركات المعارضة والاحتجاج التي ملأت يوميات مرحلة الاستقلالات الوطنية والتحرر من الاستعمار. العامل الأول هو التقدم الهائل في تقانة الاتصالات التي سمحت وتسمح اليوم بالتواصل السريع والتنسيق بين جماعات متباعدة جدا على اتساع الكرة الأرضية من دون الحاجة إلى أي حركة مادية للأشخاص المنسقين ومن دون تبديد في الوقت والمال. والعامل الثاني هو ما خلقه الاندماج الاقتصادي والمالي والإعلامي العالمي المتزايد من شعور متفجر وأكاد أقول تراجيدي بوحدة المصير البشري وتنامي الإدراك لدى قطاعات متوسعة من الرأي العام العالمي بأن ما يحصل في هذه البقعة أو تلك من الكرة الأرضية وما يصيب هذا الشعب أو ذاك لا يقتصر أثره عليهما فحسب ولكنه يؤثر بشكل كبير على مصير الشعوب ومناطق العالم الأخرى مباشرة ومن دون تأخير. وعندما نتحدث عن رأي عالمي فنحن نتحدث عن ولادة قوة جديدة قادرة على التأثير والفعل في الساحة الدولية والوطنية معا. وهي قوة تكونت وتتكون بموازاة تقدم مسيرة الاندماج العالمي المتسارع وباستكمال ثلاثة عناصر ضرورية لنشوء أي قوة:  وحدة الوعي والهدف المشترك والقدرة على التنظيم وإمكانية التواصل أو الاستمرارية.

باختصار ما كان من الممكن تصور حدوث هذه المسيرة وأمثالها في المستقبل من دون العولمة وما أتت به. ولذلك ليس من المبالغة القول إن مسيرة الخامس عشر من فبراير الجاري المنظمة على المستوى العالمي والتي تضم ملايين الأشخاص في وقت واحد ولهدف واحد هي أول المسيرات العولمية، أي هي ظاهرة جديدة تنتمي بالفعل إلى عصر العولمة، وهي بداية ونموذج لمسيرات عديدة سوف تليها وتعبر عن الوزن المتزايد الذي سيلعبه الرأي العام العالمي ومن ورائه منظمات وهيئات وجمعيات المجتمع المدني الدولية والوطنية معا في صوغ السياسات العالمية.

وبقدر ما يساعدنا اكتشاف هذا الدور الكبير الذي يلعبه وسوف يلعبه الرأي العام العالمي بشكل أكبر في السنوات القادمة على فهم التغيرات العميقة التي طرأت وستطرأ على ساحة العلاقات الدولية، يحثنا أيضا وينبغي أن يحثنا، نحن العاملين في ميدان السياسات والحركات المدنية، إذا أردنا أن نكون أكثر فاعلية، على تجاوز التحليلات والرؤى القديمة التي حكمت سلوكنا في الماضي والتي كانت تركز كثيرا على قوى الدولة ومنظماتها الفرعية والعمل على تجديد رؤيتنا لساحة السياسة الوطنية والدولية والتعامل معها بوسائل مختلفة.

 

....