الموقف العربي هو الصحيح والعادل ويستحق التأييد

2002-08:: الوطن

ترجمة :

إن ما يثير استغراب الدبلوماسية العربية والمراقبين السياسيين معا فيما يتعلق بالتطور الأخير في العلاقات العربية الأمريكية هو ما يبدو وكأنه رغبة واضحة لدى بعض الأوساط النافذة في واشنطن في توتير هذه العلاقات والضغط المتزايد على الدول العربية بالرغم من أن هذه الدول لم تكن أقرب إلى واشنطن مما هي عليه الآن بعد زوال الحرب الباردة وتراجع أفكار التنمية المستقلة والقومية العربية نفسها وزيادة المراهنة على الموقف الأمريكي في كل المجالات, وبشكل خاص في فلسطين.

لا أعتقد أن لهذا الموقف علاقة بأي خوف أمريكي محتمل من مخاطر أو تهديدات صادرة عن هذه النظم على الامن الأمريكي ولا بأي سوء تفاهم ممكن نابع من تأويلات مخالفة للحقيقة. إنه ناجم في نظري, بالعكس من ذلك, عن اعتقاد الأمريكيين بوحدة الحال معها وما تخوله لها هذه الوحدة من أن تنتظر منها المزيد في حربها التي ترى فيها, من وراء الواجهة الشكلية التي تسميها حرب الارهاب الدولي, معركة القرن الواحد والعشرين, أو معركتها للقرن الواحد والعشرين لتأكيد تفوقها العالمي وتكريس قيادتها الدولية ودوامها.

لا شك أن الولايات  المتحدة التي لم تكن ترى في الشرق الأوسط عند انهيار مفاوضات كمب ديفيد الاسرائيلية الفلسطينية في آخر عهد الرئيس كلينتون سوى منطقة قلاقل صديقة تثير قلقها وتؤرقها لكنها تستحق الدعم أصبحت, بعد أحداث أيلول, ترى فيها مصدر شر رهيب يهدد استقرارها بل وجودها ووجود اسرائيل التي تعتبر جزءا منها. وهي تنتظر من النظم العربية التي لا تشك بصداقتها الوثيقة أن تعمل معها في تعاون وثيق لإخماد هذا البركان الصغير الذي يثير المشاكل في معسكر الصديق ويمنعها من التفرغ لما هو أهم وأعظم, أي مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين الجيوستراتيجية والتي ستقرر مصير العالم بين الكتل الرئيسية. وفي نظر القيادة الأمريكية الجديدة المهمومة بالسيطرة العالمية والتفوق الدولي, لا تعمل الدول العربية في رفضها القبول بتسويات مؤقتة مع اسرائيل واستمرارها في دعم مطالب الشعب الفلسطيني وعدم مشاركتها التلقائية في الحرب ضد الارهاب العالمي, وفي مقدمها اليوم إسقاط النظام العراقي, سوى التشويش على الولايات المتحدة وحلفائها الاستراتيجيين الاقليميين من الاسرائليين ووضع العصي في عجلاتهم.

وربما مما زاد من غضب الولايات المتحدة على الدول العربية في السنة الأخيرة ليس فتور العلاقات ولا غياب الصداقة التقليدية ولكن بالعكس من ذلك تنامي هذه الصداقة واتساع دائرتها. فقد كانت واشنطن ولا تزال تعتقد أن هذه الصداقة أو ما يبدو كأنه كذلك من الطرف العربي على الأقل وأن الروابط القوية التي تجمعها مع المنطقة تسمح لها بالمراهنة مرة جديدة, كما كان الحال في السابق, على كرم العرب وتعاونهم وثقتهم التي لا تضعف من أجل تسهيل الأمور على واشنطن وتحريرها من المشاكل الاقليمية الصغيرة حتى تتفرغ لمعركتها أو ما تعتقد أنه معركتها الجيوستراتيجية الكبرى. وكان هذا يعني بالنسبة لها أن يظهر العالم العربي تفهما أكبر للمطالب الأمريكية, حتى اللاعقلانية منها. فبينما كان الأمريكيون ينتظرون من العرب التوقيع على بياض على كل مطالبهم والتسليم لهم بالقيادة والقرار في منطقة المشاكل والاضطرابات الحساسة وبالتالي التطبيق الآلي لتوصياتهم ونصائحهم خرج العالم العربي الرسمي والشعبي عليهم بمواقف مختلفة ومترددة سواء فيما تعلق بملف الهجوم المؤبد على العراق أو القبول بتسوية مؤقتة وجزئية للقضية الفلسطينية تبرد الجو وتريح حكومة اسرائيل الحليفة والتي لا يمكن الضغط عليها أو أخيرا بإغلاق مكاتب المنظمات والجمعيات الخيرية الاسلامية والفلسطينية أو الداعمة لفلسطين.

يبدو أن ما ينتظره الأمريكيون من العرب هو التنفيذ التلقائي لما يطلبونه منهم ويطالبونهم به لا من حيث هم خصوم أو أنداد ولكن بوصفهم أصدقاءهم المقربين. وعندما لا يفعل العرب ذلك فإن واشنطن تشعر بنوع من نكران الجميل بل والعصيان. فهي لا تشك لحظة في أن وجود هذه النظم واستقرارها مرتبط إلى حد كبير بالموقف الامريكي الايجابي منها والداعم لها وأنها لو تخلت عنها لما بقي لها أمل كبير بالاستقرار والاستمرار.

لكن ليس هذا هو تقويم الحكومات العربية للأوضاع الاقليمية بالتأكيد. وبالإضافة إلى ذلك تعتقد الكثير من هذه الحكومات أن علاقتها مع الولايات المتحدة ليست علاقة أحادية ولكنها علاقة مصالح متبادلة. فالعالم العربي هو المصدر الرئيسي للطاقة وهذه الطاقة تستغل بالاتفاق مع واشنطن ولضمان مصالحها بالدرجة الأولى. والعالم العربي وضع نفسه جميعا في صف الولايات المتحدة التي تشكل شريكه الرئيسي من حيث التعاملات المالية ومقتنيات الأسلحة والتدريبات والتنسيقات الأمنية والعسكرية. وقد شارك العرب في الحرب ضد العراق التي كلفتهم استراتيجيا وماليا غاليا جدا ولا تزال.

من هنا لا يعتقد العرب أن ثمن الدعم السياسي أو الحماية الأمريكية هو التخلي عن مظاهر السيادة الوطنية. وتشعر الحكومات أن ما تطلب الولايات المتحدة منها تنفيذه بصورة تلقائية ومن دون نقاش ليس أمرا بسيطا ولكنه شيء خطير يمكن أن يهدد الأسس العميقة التي تقوم عليها سلطتها وما تبقى من استقرارها ومبرر وجودها, وهو ما يتعلق أساسا بالموقف من المسألة الفلسطينية التي هي مسألة قومية ودينية معا بالنسبة للعرب, وبالمسألة العراقية وبمسألة الهيئات والجمعيات والتيارات الاسلامية التي تغطي شرائح عريضة وأساسية من الطبقات الوسطى التي يستند إليها النظام  في معظم بقاع العالم العربي.

ربما كانت الولايات المتحدة تعتقد أن الحكومات العربية تبالغ في تقدير المخاطر التي تتعرض لها في الداحل. وهي توحي للعرب بأن عليهم أن يعملوا وهي قادرة على حمايتهم كما حمتهم في السابق. وريما اعتقدت أيضا أن إبراز الحكومات العربية معارضة الرأي العام العربي للسياسات المطلوبة ليس إلا ذريعة للتهرب من مسؤولياتها كصديق وحليف وثيق. وأن هذه الحكومات لا يمكن أن تتذرع بمثل هذه المعارضة عندما يتعلق الأمر بمصالح أمريكية استراتيجية بينما لا يبدو عليها أنها تولي مثل هذه المعارضة درجة كبيرة من الاهتمام عندما يتعلق الأمر بمصالح أخرى مرتبطة بأنظمتها. فلماذا تكون مصالح النخب العربية الخاصة أهم وأبدى بالتضحية والمخاطرة أكثر من مصالح واشنطن الاستراتيجية وهي مصالح تراها واشنطن أخلاقية بعكس المصالح الأخرى التي تنظر إليها على أنها لا أخلاقية مرتبطة بتأمين الثروة المادية وشروط الحياة المترفة المحضة لأفرادها لا غير.

الواقع أن مشكلة العلاقات العربية الأمريكية هي أنها لم تقم أبدا على أساس واضح من الندية وتبادل المصالح الفعلي. كانت واشنطن تشعر دائما ولا تزال, بسبب سلوك العديد من النخب العربية الضعيفة, أن العرب تابعين لها أو أتباع, بالرغم من كلمة الصداقة الشكلية التي تستخدمها معهم, وهي بالاضافة إلى ذلك ولي أمر الكثير منهم وأحيانا نعمتهم. ولا بد أن تكون صورة الكثير من العرب لدى النخبة السياسية الأمريكية على جميع أصنافها سلبية تماما ترى فيهم جميعا نماذج من الأسياد الإقطاعيين الذين لا تهمهم كثيرا مصالح بلادهم وأن من الممكن تشغيلهم لحسابها في بلادهم نفسها. وأنها هي المسؤولة إلى حد كبير عن وجود أغلبهم واستقرار أنظمتهم التي لا تستند إلى قبول شعبي واضح ولا تقوم على أسس الشرعية الحديثة. وهي تدرك أن جميعهم بحاجة إليها ليس فقط لوضع حد لتسلط اسرائيل وعنجهيتها وإنما في بعض الاحيان لتأمين النظم ضد مخاطر سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة ليس لديها القدرة على مواجهتها. فهم اتباعها في المنطقة لا شركاءها ولا حلفاءها كما هو الحال بالنسبة لاسرائيل. وعلى التابع أن يتبع وينفذ من دون نقاش وإذا لم يفعل ذلك فقد خرج عن الطاعة وحلت عليه النقمة.

ولا شك أنه كان للنفوذ الصهيوني القوي في الإعلام الامريكي باع طويل في تكوين هذه الصورة وفي دفع النخبة الأمريكية إلى هذا التفكير. بيد أن قسطا كبيرا من المسؤولية يقع أساسا على العرب لأنهم وضعوا بيضهم جميعه, نظما ودولا معا, في سلة الولايات المتحدة, سواء فيما يتعلق بتأمين القوة الذاتية القادرة على ردع اسرائيل أو فيما يتعلق بالبقاء خارج مظلة المشروعية الانتخابية الديمقراطية. وقد فضلوا الاعتماد على القبول أو أحيانا الحماية الأجنبية بدل التنازل عن بعض سلطاتهم الكبيرة لشعوبهم العربية.

واليوم ليس أمام العرب إلا طريقا واحدة هي تصحيح العلاقة الخاطئة مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى. وربما كانت هذه هي الفرصة المناسبة لذلك. وتصحيح العلاقة يعني استمرار العرب في الوقوف صامدين امام الضغوط الامريكية وعدم التراجع عن المواقف الصحيحة, والصبر من دون استفزاز, والقبول بدفع الثمن اللازم لذلك. فصمود العرب في هذه المباراة السياسية الاستراتيجية هو الذي سيعيد لهم الصدقية السياسية المفقودة ويفرض على الرأي الدولي الرسمي أن يعيد النظر في الصورة التي صاغها عنهم وبالتالي أن يغير أسلوب التعامل معهم. ولا يمكن للعرب أن يخسروا في صمودهم في الدفاع عن مواقفهم الصائبة والمنطقية والعادلة معا أكثر مما سيخسرونه في التسليم باستقلال قرارهم والقبول بما يفرض عليهم من حلول في فلسطين وغيرها من الملفات العربية. والنجاح في هذا الصمود حتمي في نظري إذا نجح العرب في تحقيق شرطين في متناول يدهم جميعا: التفاهم الجماعي أو على الأقل بين الدول العربية الرئيسية المعنية, وهو ليس مستحيل, والعودة من جديد إلى الرأي العام في كل قطر عربي وايلائه الثقة التي يستحقها والاستناد إليه واستمداد الشرعية منه. فهذا هو مصدر الحماية الوحيد اليوم للدول والنخب العربية في فترة لم يعد فيها أي مبرر للخوف بعد أن فقدت الثورات والانقلابات العسكرية أي معنى أو جاذبية. ومن دون ذلك سوف تربح واشنطن في الحالتين فتمزق العرب وتخضعهم لمشيئتها أكثر مما هم عليه الآن وستلعب هي نفسها وبصورة أكثر براعة ورقة الديمقراطية ضد الأنظمة ذاتها التي ستكون قد ركعتها وتستخدمها ضد النخب العربية الحاكمة وضد الشعوب العربية نفسها, أي ضد الجميع. وهذا هو ما بدأت به عند تخصيصها مبلغ مليار دولار أمريكي لما أسمته تشجيع الديمقراطية في المنطقة, وربما من وراء ذلك لتفكيك المجتمعات وزرع الفتن الطائفية والأقوامية داخل المجتمعات العربية. ويعكس هذا القرار, أكثر من أي قرار آخر أو تهديد في الكونغرس وغيره, تصميم بعض الأوساط المتنفذة في واشنطن على مواصلة الضغط على الدول العربية التي تعتبر ربما أن الوقت حان لزعزعة استقرارها وفرض التراجع عليها. الكرة في ملعب الحكومات العربية وهي وحدها المسؤولة عن تقرير مصيرها. ولا ينبغي أن يكون لديها أي خوف في الداخل ولا شك في تأييد الموقف الشعبي لمثل هذا الصمود والتفافه حولها. فلم يعد هناك في العالم العربي من لا يزال يطلب المستحيل أو يحلم بما يتجاوز ثنائية الخبز وقليل من الكرامة.