الديمقراطية والليبرالية والعولمة

2007-01-16:: كردستان الجديدة

ترجمة :

درجت الفلسفة الليبرالية على المطابقة البسيطة بين نظام السوق، وبالتالي نظام الرأسمالية، ونظام السلطة المستمد من المشاركة الشعبية والتعددية السياسية الذي تجسده الديمقراطية، ونظام القيم الذي يركز على احترام الفرد وحرياته واختياراته في مواجهة نظام الوصاية الجماعية الأبوية أو القومية أو السياسية. وكانت هذه المطابقة مقبولة عقليا عند الرأي العام بقدر ما كانت الليبرالية تتطابق هي نفسها مع الحداثة، أي تشكل أيضا ايديولوجيتها العميقة. ولم يكن هذا التطابق نفسه سوى التعبير عن الطبيعة البدئية أو الأولى لهذه الحداثة التي لم تنضج بعد، ولم تتعرض لعمليات تمايز عميقة داخلها، كما سيحصل في المراحل التالية. كانت الحداثة فكرة بسيطة واحدة، ونظاما جديدا، منسجما كليا، يقف في مواجهة النظام القديم القرسطوي، بقيمه وأساليب حكمه وأنماط إنتاجه معا.
لكن الحداثة ظاهرة اجتماعية حية، وككل ظاهرة اجتماعية، هي ظاهرة تاريخية تنمو وتتكامل وتتحول. وفي نموها وتكاملها وتحولها، أو بالأحرى في جوهر هذا النمو والتكامل والتحول، إذا كان من الممكن الحديث هنا عن جوهر، تكمن عملية حصول التمايز والتعدد والانفصال والتناقض داخل الظاهرة نفسها. وهكذا من داخل هذه الحداثة الواحدة والمتسقة والعميقة الانسجام سوف تبرز أنماط إنتاج وأساليب حكم ومنظومات قيم متباينة ومتعددة. وربما كان الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، اللتين تتخذان من قيم الحداثة المنادية بالتحرر الانساني والفردي مرجعا لهما، هو أبرز أشكال هذا التمايز داخل الحداثة. لكن في ما بعد سوف تبرز أيضا مفاهيم الديمقراطية الاجتماعية الشعبية، والديمقراطية الشكلية، كما ستتميز منظومة القيم الإنسانية التي تركز على العدالة والمساواة، وهي من قيم الليبرالية الأولى في مواجهة التراتبية القرسطوية، عن منظومة القيم الانسانية التي ستركز بشكل أكبر على الحرية الفردية. وكل ذلك داخل دائرة الحداثة ورؤيتها العامة.
على المستوى النظري هناك إذن من دون شك ترابط بين المستويات الثلاث الاقتصادية والسياسية والأخلاقية لليبرالية بوصفها ايديولوجية الحداثة البدائية. لكن ما كان بذرة فحسب، في بداية المسار، سوف ينتج نباتات مختلفة تماما بقوة التحول التاريخي، وفي التجربة العملية. فالرأسمالية التي كانت تنافسية بسيطة سوف تتحول هي نفسها إلى رأسمالية احتكارية، وسوف تفرز في مواجهتها حركة مجتمعية مناوئة تطالب بإخضاع الاحتكارات لقوانين تأخذ بالاعتبار مصالح الأغلبية الاجتماعية ثم، أكثر من ذلك، بتطبيق قوانين تضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية. وهكذا لم يعد التطابق بين اقتصاد السوق ونظم العدالة والمساواة والحرية الفردية، يبدو بديهيا كما كان في السابق، وأصبح هناك حاجة لتطوير أساليب الحكم السياسية نفسها، وفي سياق ذلك، فصلها بشكل أكبر عن النظام الاقتصادي الرأسمالي، حتى يمكن ضمان القيم الإنسانية الأساسية أو المؤسسة التي قامت عليها الحداثة، والمتمثلة في القيم الليبرالية. وبقدر ما فقد الرأي العام الاعتقاد بالانسجام الطبيعي والتلقائي بين حرية السوق وحرية الفرد، تطورت التجربة السياسية واستقلت بنفسها عن الممارسة الاقتصادية الليبرالية، ونشأت الديمقراطية كممارسة مستقلة نسبيا، تخضع في تطورها ونموها إلى آلية مستقلة عن آلية السوق، مرتبطة بنمو الوعي الديمقراطي والتوازن بين المصالح والطبقات ومشاركة القوى الاجتماعية المختلفة فيها، وفي مقدمها القوى غير الرأسمالية. بمعنى آخر، أصبح للديمقراطية تاريخ خاص بها، يفسر نموها، وهو مستقل عن تاريخ السوق الاقتصادية. ولذلك أصبحنا نميز بين ليبرالية اقتصادية، أو بالمعنى الاقتصادي، وليبرالية سياسية، هي ما نسميه اليوم بشكل مختصر الديمقراطية.
وما حصل لليبرالية البدائية سوف يحصل للديمقراطية نفسها. ففي البداية لم يكن الرأي العام يميز بين الديمقراطية من حيث هي آليات لبناء سلطة مؤسسية تقوم على التمييز بين المستويات الاقتصادية والسياسية أولا، ثم على التمييز داخل السلطة السياسية بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتضمن حريات التعبير والتنظيم والتعددية الحزبية والانتخابات الدورية، وبين الديمقراطية من حيث هي تعبير فعلي عن سيادة الشعب، وبالتالي تكريس لممارسة السلطة فعليا من قبل الشعب بمجموعه، وتوفير وسائل هذه المشاركة لكل فرد، ما يعني ضمان حد أدنى من المساواة الفعلية بين الأفراد، وضمان نفوذهم العملي إلى السلطة السياسية والقرار المتعلق بالشؤون العمومية. وهكذا أصبح من الضروري التمييز، كما نفعل اليوم، بين الديمقراطية الشكلية التي يعبر عنها وجود المؤسسات والممارسات الديمقراطية الشكلية، والديمقراطية الفعلية التي تعني قيام مؤسسات الديمقراطية الشكلية بوظائفها الحقيقية وتمكين الجمهور من المشاركة والتأثير في القرار العام. هذا يعني أننا نكتشف مع نمو التجربة الديمقراطية نفسها أن الاعتراف بالسيادة الشعبية وتوفير وسائل الاقتراع العام والحريات السياسية والمدنية، هو شرط أساسي لقيام سلطة ديمقراطية، لكنه ليس شرطا كافيا. وأنه من دون نمو منظومة قيم يستطبن من خلالها كل فرد في المجتمع روح الاحترام والمساواة والعدالة وتطبيق القانون بالتساوي بين الجميع، أي روح المواطنية المشتركة، فلن يكون من الصعب التلاعب بالمؤسسات الديمقراطية الشكلية وتجييرها، بالمال أو الفساد أو استعمار المؤسسات الداخلي والخارجي، لصالح سلطة احتكارية، تحرم الشعب من المشاركة، وتقضي على روح السيادة الشعبية التي هي الأصل العميق لقكرة الديمقراطية ذاتها.
وينجم عن هذا التمييز بين نوعين من الديمقراطية أن الديمقراطية الحقة لا يمكن أن تستقيم مع وجود التفاوت الصارخ في شروط المعيشة بين الأفراد والطبقات، أو في شروط النفوذ إلى المعلومات، أو في مستوى التأهيل العلمي والمعرفي. فهي تستدعي بمعناها الجديد الراهن توفير حد أدنى من المساواة بين الأفراد في شروط الحياة المادية والمعنوية، ومكافحة عوامل الإقصاء والتهميش والاستبعاد والحرمان، في أي شكل ظهرت، والتشجيع على الحوار والتفاهم والتواصل بين الأفراد. وهو ما يدفع إلى تطوير مفاهيم المجتمع المدني الذي يشير إلى تشجيع الناس على التدخل في دائرة تنظيم شؤون حياتهم العامة، على مستوى البلديات والأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة.

ما هو تأثير العولمة على هذه العملية التحولية الديمقراطية؟
تعمل العولمة في اتجاهين متناقضين. الاول هو تعميم نماذج الديمقراطية الشكلية في جميع أنحاء العالم. لا يمكن تطور العولمة من دون فتح الأسواق والنظم السياسية معا. أما الاتجاه الثاني فهو يشير إلى تفاقم التفاوت في شروط المعيشة المادية والمعرفية بين الأفراد والجماعات معا، وبالتالي تراجع شروط تحول الديمقراطية الشكلية إلى ديمقراطية حقيقية، وتهديد الديمقراطيات النشيطة نفسها بالتدهور نحو ديمقراطيات شكلية. وهو ما نشاهده في الدول الصناعية اليوم سواء تحت الضغوط الأمنية الحقيقية أو المصطنعة التي تتذرع بمحاربة الإرهاب الدولي، أو بسبب السعي إلى الحد من الهجرة العشوائية لسكان البلدان الفقيرة نحو البلدان الصناعية، أو بسبب الخوف من الاضطرابات الشعبية الناجمة عن تدهور شروط معيشة بعض الجماعات الفقيرة الهامشية. العولمة تشكل عاملا قويا في إجهاض الديمقراطية الحقيقية لصالح الديمقراطية الشكلية وفي تحويل هذه الديمقراطية الشكلية إلى نموذج عالمي شرعي ومشروع باسم الليبرالية، ومن خلال العودة إلى التسليم بالانسجام التلقائي والتطابق الطبيعي بين حريات السوق أو اقتصاد السوق وحريات الأفراد والجماعات.
ما هو الحل؟
لا يمكن لمثل هذا الحل أن يكون نظريا فحسب، حتى لو كان التحليل النظري شرط لايجاد الحل العملي. فلا وجود لحل نظري لظاهرة هي أساسا عملية. والحل العملي هو هنا، كما في كل ميادين النشاط الاجتماعي، لا يكون إلا في الكفاح العملي، السياسي والفكري معا، ضد التفاوتات التي تقود إليها العولمة في شروط حياة الأفراد والمجتمعات، والعمل، داخل كل بلد وعلى مستوى المجتمع الدولي، على فضح هذه التفاوتات المتزايدة وإبراز الطبيعة الشكلة للديمقراطية الليبرالية التي تسعى إلى إخفائها أو التعويض عنها. باختصار إن الليبرالية الراهنة أو بالأحرى النيوليبرالية التي تسعى إلى إلحاق السياسة بالاقتصاد، وإخضاع نظام السلطة لمنقط السوق والاستثمار الرأسماليين، تقود لا محالة إلى إجهاض عمليات التحول الديمقراطي الناجز والعميق، وتستبدله بمظاهر تعددية تخضع لأصحاب المال والنفوذ ولا تسمح بأي مشاركة شعبية حقيقية. وليس هناك حلولا جاهزة لهذه المخاطر سوى مقاومة هذه النزعة الايديولوجية والسياسة المستمدة منها، والعمل في سبيل انتصار سياسة اجتماعية وثقافة تمكن الجمهور من المشاركة الفعلية في الحياة العامة، وتشجعه على الانخراط فيها، كما تعزز قيم العدالة والمساواة وطاعة القانون ومكافحة التمييز والاحتكار والإقصاء والتهميش في جميع أشكاله، على صعيد كل مجتمع والصعيد العالمي معا.
فالتحولات الاجتماعية والسياسية في كل زمان ومكان هي ثمرة عمل وجهد وكفاح قوى منظمة وواعية وليست نتائج تلقائية لظروف تاريخية. وبقدر ما ننجح في بناء هذه القوى وبقدر ما تكون فكرتها عن مشروعها واضحة وصحيحة، يمكن الانتصار في معركة التحويل والتغيير الاجتماعي. ولا تمنع العولمة من بناء ديمقراطية فعلية لا شكلية، سواء داخل المجتمعات والنظم الديمقراطية الشكلية أو في مواجهة النظم غير الديمقراطية، إذا نجحت القوى السياسية، والمثقفون الديمقراطيون أيضا، في تعميم قيم الانسانية الجديدة وحافظت على التفوق الأخلاقي والسياسي أيضا في مواجهة قوى السوق الاقتصادية المحلية والدولية، التي تنزع اليوم إلى التساهل مع هذه القيم، وإلى التضحية بها في سبيل ضمان شروط أفضل للمنافسة فيما بينها، وهو ما يشكل في الواقع السبب الرئيسي في تحويل قوى الرأسمالية، أو حاملي رأس المال اليوم، إلى قوى شبهية تماما بالقوى المافيوية، في أساليب عملها التلاعبية، وفي استخدامها للعنف واستعدادها لتجاوز القانون وللتزوير والاستغلال الرخيص والغش والفساد.
من هنا لم تكن قيم القانون والعدالة والمساواة والنزاهة والتضامن والتكافل، بين أفراد المجتمع وبين المجتمعات الانسانية، التي شكلت جوهر الأفكار الاشتراكية في الماضي، أكثر راهنية في أي فترة سابقة كما هي عليه اليوم. وليس من قبيل الصدفة أن يكتشف مفكر ليبرالي بارز منل جون راويلز صاحب نظرية العدالة أن نظريته تنسجم تماما مع "نظام اشتراكي ليبرالي"، تكون وسائل الانتاج فيه خاضعة للملكية العامة بينما تدار الشركات من قبل مجالس عمالية، وحيث لا يمكن للقرارات العامة أن تؤخذ من دون مشاروات ديمقراطية حية.