الثقافة كمنبع للحرية

2010-11-11:: الاتحاد

ترجمة :

 أشرت في مقال سابق إلى الموقع المتزايد الذي تحتله، في عصرنا الراهن، التحليلات الثقافية في فهم التحولات الاجتماعية والعالمية، كما يدل على ذلك الانتشار الواسع الذي حظيت به، رفضا وتقديرا، نظرية صدام الثقافات، التي تحولت بسرعة إلى صراع الحضارات وأنتجت نقيضها: حوار الحضارات الذي تبنته الهيئات الدولية كبرنامج للتأليف بين المجتمعات والشعوب. وذكرت في هذه المناسبة بأنه، حتى عندما يكون للثقافة، كما حصل في جميع العصور والازمان السابقة، دور متميز في تكوين المجتمعات، ذلك أنه لا وجود لجماعة متميزة من دون ثقافة خاصة بها، لا ينبغي النظر إلى الثقافة كما لو كانت قالبا جامدا أو ماهية ثابتة تحدد سلوك الناس مسبقا وتفرض عليهم خيارات خارجة عن نطاق التأمل والاختيار. وإنما يجدر التعامل معها باعتبارها مخزونا متغيرا ومتحولا ومتجددا من القوالب والصيغ والاستعدادات والرموز والمعارف والتوجهات. فهي تعمل كما لو كانت علبة عدة يضعها التاريخ والمجتمع تحت تصرف أفراده ليأخذوا منها ويستخدموا أدواتها حسب حاجتهم وظروف حياتهم وأهدافهم وميولهم الشخصية. وقلت إن نوعية هذه الأدوات والقوالب التي تختزنها الثقافة توحد تفكير أو بالأحرى أسلوب تفكير الناس إلى حد كبير، لكنها لا تحرمهم من حريتهم الأصيلة والأساسية التي ترتبط بمقدرتهم على الاختيار حتى داخل هذه الثقافة، ولا تمنعهم من تبني مواقف تختلف من فرد لآخر وجماعة وأخرى، ومن بلورة استراتيجيات وحلول متباينة في مواجهة مشاكل واحدة أو متماثلة، داخل المجتمع الواحد نفسه.

ثم إن وجود هذه الصيغ والقوالب والاستعدادات العقلية والاجتماعية العامة لا يمنع الأفراد من تكوين مخزونهم الخاص من القيم والرموز والذاكرات والاستعدادات، وبالتالي من امتلاك تفكير وسلوك مختلفين في المجتمعات ذاتها. بل بإمكاننا أن نجد، في إطار العقيدة او الديانة نفسها، التي هي أضيق دائرة من الثقافة وأكثر توحيدا للذهنيات، المتدين الذي يتمسك بحذافير العقيدة ولا يستطيع أن ينفصل لحظة عنها، والأقل تدينا أو الاكثر براغماتية في تعامله مع المباديء والعقائد والأخلاقيات الدينية، بل والمجرد من الدين، مما كان التراث الديني يطلق عليهم اسم المنافقين أو الزنادقة أو المارقين. كما نجد المتدين السياسي، الذي لا يرى في الدين إلا ما يساهم في تحقيق الأهداف السياسية التي يعمل من أجلها، والمتدين الصوفي الذي يستخدم الطقوس الدينية مهما كان أصلها من أجل إغناء تجربته الروحية والتواصلية، والمتدين البسيط الذي يبحث في الدين عن الطمأنينة والرضى وضمان الآخرة وينزع إلى الاقتداء بما يرسمه له علماء الدين وفقهاء المذهب أو العقيدة. وكل هؤلاء يمتحون من مخزون رمزي وخيالي وأخلاقي ومعرفي وعقيدي "واحد"، أو يظهر كما لو كان كذلك. وهنا، في هذه الحرية الجوهرية الأولى، أعني حرية المرء في الاختيار حتى داخل الثقافة الضاغطة الواحدة، واحتمال تجاوزها، والتجرؤ على الاختلاف عما كان سائدا في الماضي، بل عما هو سائد اليوم، وما يشكل تقليدا جماعيا قائما، يكمن أصل التجديد والابداع ومحرك التحول في سلوك الشعوب والمجتمعات.

والقصد، ليس هناك ثقافة جامدة وثابتة لا تتغير ولا تسمح بالتغير والتجدد، اللهم إلا عندما تكون الثقافة قد ماتت فعلا، كما هو حال الثقافة الفرعونية أو البابلية أو الحميرية. ولا تموت الثقافة إلا عندما تموت النظم الاجتماعية التي عاشت في كنفها وكونت محور إلهامها وساحة تفكيرها ورهاناتها المادية والروحية. في ما عدا ذلك، يمكن للثقافة أن تتراجع وتتكلس وتنقطع عن الواقع الذي هو واقع حي ومتغير بالضرورة، وتنغلق على نفسها وتدور حول تقاليدها وقيمها وذكرياتها القديمة. وفي مثل هذه الأحوال التي تفقد فيها الثقافة دورها بالتأكيد، وتترك لقانوني القوة والعصبية أمر التحكم بالأفراد وضمان خضوعهم وتعاونهم وانتظامهم، وهذا ما حصل خلال ما نطلق عليه اسم حقبة الانحطاط في التاريخ العربي، لا تموت الثقافة نهائيا ولا تخمد جذوتها. إنها تنحط وتنضب ينابيع الابداع فيها، جارة معها المجتمع بأكمله نحو الانحطاط والإفقار. لكنها سرعان ما تستيقظ من ثباتها وتعود إلى الحياة حالما تشعر بأن هناك أفقا جديدا قد انفتح، أو أن عوارض قبر الحرية الذي وضعت فيه بدأت تهتز أو تتحرك. ونجد أنفسنا أمام استئناف دورة جديدة من التحول والتغير والابداع الثقافي. وهذا بالضبط ما حصل للثقافة العربية أيضا، وبالأحرى للمثقفين بالعربية، عندما بدأت معالم غروب السلطة الامبرطورية العثمانية وسقوطها تظهر للعلن وتبرز في المقابل آفاق التحولات الجديدة ومعالم النظام الحديث.

الثقافة، بهذا المعنى، ليست قدرا، وإنما هي مستودع تجارب المجتمع والأمم. وهو مستودع غني بالادوات والمفاهيم والأفكار والرموز التي يمكن تركيبها وإعادة تركيبها إلى ما لانهاية، حسب تبدل الاحوال وتغير الظروف، وبالتالي، وضمن حدود العدة الثقافية الموجودة، إبداع ما لم يكن مكتوبا سلفا على جبين المجتمعات وفي ثقافتها الأولى من رؤى ونظم ومؤسسات. بل هنا يكمن سر الابداع الانساني بإطلاق.

فلا يأتي التجديد والابتكار والابداع من النسق الثقافي الثابت، او من المخزون الثقافي القديم بالتأكيد، إنه يأتي من الكشف عن إمكانية تراكيب جديدة من نفس العناصر أو من عناصر جديدة ناجمة عن التفاعل مع الثقافات الأخرى، طالما أن المجتمعات لا تعيش في دارة مغلقة، واستجابة لضغوط جديدة تتعرض لها الثقافات باستمرار ولا تجد لها حلا في التراكيب والصيغ والقوالب الجاهزة الموجودة في مستودعها أو مخزونها القديم. هكذا تجد المجتمعات نفسها مضطرة إلى تغيير أسلوب عملها او تفكيرها، للرد عليها. بمعنى آخر يأتي الابداع بسبب فشل النماذج القديمة التي تختزنها الثقافة في الرد على الحاجات الجديدة الناشئة عن تطور الواقع الحضاري نتيجة تفاعل المجتمعات والفئات والأفراد.

والنتيجة أن ما تعيشه المجتمعات من حالات، بما في ذلك نوعية الثقافة التي تسيطر عليها وطبيعة القيم السائدة فيها، وأسلوب تعاملها مع الوقائع التاريخية المتبدلة والمتقلبة، لا يترجم ماهية ثقافية ثابتة تحكم سلوكها وأفعالها وتتحكم بها بصورة آلية، ولا يشكل أي تجل حتمي لروح ثقافية أو حضارية خاصة، ولا يعكس بنية عقول أبنائها أو نخبها، وإنما هو نتيجة تضافر ظروف طرأت وتطرأ عليها، بعضها داخلي وبعضها خارجي، هي التي ينبغي تحليلها وفهم آليات عملها إذا أردنا معرفة هذه الحالات أو تغييرها. وعندما نتحدث عن ظروف فنحن ندخل في مفهوم الزمن والتاريخ. الثقافات والعقليات والنفسيات والذهنيات موجودة من دون شك، ومؤثرة بقوة في التاريخ من دون شك، لكن على شرط أن لا ننسى أنها هي نفسها ظواهر تاريخية واجتماعية متحولة ومتبدلة وقابلة للقلب والتحوير والتغيير. ولا تشذ المجتمعات العربية عن ذلك. بل هي أكبر مثال حي عليه.