الأزمة العربية بين الهوية والتحولات التاريخية

2010-10-20:: الاتحاد

ترجمة :

 أمام ما يظهر للناظر من اوضاع يائسة تعيشها المجتمعات العربية المعاصرة على جميع المستويات وفي كل الميادين، يكاد القسم الأكبر من المحللين والباحثين يعكف عن الأخذ بالمقاربات التي طورتها العلوم الاجتماعية الحديثة والتي تنظر في الشروط التاريخية، الجيوستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية، لولادة النظم الاجتماعية وتحولها، وينزع إلى البحث عما يعتقد أنه الجذور الأبعد للداء، تلك التي تمس الشخصية أو الهوية او الثقافة أو الدين. وفي هذه المقاربة لا يكون الاضطراب والضياع، وربما الشلل الذي تعرفه هذه المجتمعات، هنا وهناك، حالة طارئة، تعبر عن تحولات اجتماعية أو سياسية أو ثقافية داخلية، وعن تبدل البيئة الخارجية وتحولها، وإنما هما تعبير عن علل كامنة تمس بنية الشخصية أو الخصوصية الدينية او الثقافية أو أحيانا ما يسمى بالعقلية. من هنا ما نشهده من موجة نقد ذاتي، يصل أجيانا إلى حد الندب، يتجاوز كل معايير التحليل المنطقي، ليثبت عاهات موروثة ودائمة ليس من الممكن معالجتها إلا بالخروج من الذات أو القبول بكرهها والعدوان المستمر عليها.

في الواقع، تنزع معظم المقاربات الثقافوية إلى تأكيد عنصرين: الخصوصية - وهي غير الخصوصية التاريخية التي تنبع من فرادة التطور الذي يسم صيروة المجتمعات جميعا من دون استنثاء - وعنصر الجوهرانية، النابع من النظر إلى المجتمعات كما لو كانت تجسيدا لجوهر روحي (روح، يقافة، دين) أو بنية مادية (العرق) جامدة ونهائية، تتكون مرة وإلى الأبد ولا يمكن الخروج منها أو تحويلها، إلا بثورات على الذات وانقطاعات دراماتيكية، تفترض قدرات تمردية أو نقدية كبيرة، ينكرون على المجتمعات العربية إمكانية وجودها.
وفي اعتقادي أن كل ما تعرفه المجتمعات العربية اليوم من ظواهر سلبية، في أنماط إنتاجها، وأساليب حكمها، وفي تخبط سياساتها، وفي نكستها الفكرية والثقافية، لا يمكن فهمه لا من داخل الدين ولا الثقافة ولا التراث، وإنما يعود بشكل رئيسي وأول إلى إجهاض مسيرة التحول والتقدم التي انخرطت فيها منذ أكثر من قرن، والتي كان من المفروض أن تنقلها من أنماط الفكر والسلوك والإدارة والحكم القديمة أو التقليدية نحو أنماط حديثة، وتحل بذلك مشكلتها الرئيسية التي حقق فيها رجال النهضة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وهي تحقيق المعاصرة، أي استدراك التأخر التاريخي الذي لحق بها نتيجة تلكؤ نخبها القائدة أو جمودها في القرنين الماضيين.

فبعكس ما تشيعه الأدبيات الرائجة، كانت المجتمعات العربية طليعية في دخول مغامرة الحداثة لأنه لا يوجد في ثقافتها الزمنية والدينية ما يعيق النظر العقلي والتجديد الفكري والديني: لا سلطة بابوية ولا تقاليد إقطاعية ثابتة ومتجذرة. وهكذا سبق محمد علي باشا اليابان في شق طريق التحديث، منذ بداية القرن التاسع عشر، وبقيت مصر أكثر تقدما من الناحية الصناعية والعلمية والتقنية من معظم بلدان أوروبة حتى الربع الأخير من هذا القرن نفسه. وبالرغم من الضغوط والتهديدات الاستعمارية، استمر الضغط ، حتى عقود قليلة سابقة، شديدا داخل المجتمعات العربية، من جانب الشعب ومن جانب النخب الثقافية والقوى الاجتماعية الصاعدة، والأحزاب الليبرالية والقومية واليسارية الناشئة معا، من أجل التغيير والتحديث واللحقاق بالعصر. ولم تستطع الهيئات الدينية المحافظة أن تحبط هذا التحرك القوي في اتجاه التغيير أو أن تشكل عقبة تذكر أمامه. بل لقد تمت محاصرة رجال الدين المحافظين من قبل رجال دين تقدميين وإصلاحيين ساروا في اتجاه التحويل الحديث لمجتمعاتهم ونظّروا له ودعموه، كما فعلت الحركة الاصلاحية الاسلامية. ولم يضعف سقوط الأقطار العربية تحت الاحتلال من زخم تيار الحداثة والتحديث. ففي ظله نشأت الحركات الوطنية حول مفاهيم وقيم ومطالب حديثة في بناء الدولة والامة والسياسة الشورية والديمقراطية، وولدت الأحزاب الليبرالية والاشتراكية والماركسية والقومية التي لم تعرفها من قبل لا ثقافة عربية ولا ديانة إسلامية، وعم انتشارها في جميع الأوساط، بما في ذلك العديد من الأوساط الشعبية. وما إن تحقق الاستقلال حتى انطلقت مسيرة التحديث والتقدم بأقوى صورها، متلفحة رداء القومية العربية التي حددت أهدافها بوضوح في استكمال الاستقلال وتوحيد البلدان العربية ومواجهة النفوذ الأجنبي، وبناء أمة حديثة من خلال تصفية بقايا الاقطاع وتوزيع الأرض على الفلاحين، وإحداث ثورة صناعية وتقنية وعلمية شاملة.
من هنا كانت الصدمة قوية عندما ظهر إخفاق هذا المشروع، أعني مشروع الانخراط الايجابي في روح العصر، وهجر الصيغ والنماذج القديمة البالية التي أصبحت مثالا للتأخر والجمود والفساد، وتأكيد السيادة الكاملة، وتطوير البنى الاقتصادية والعلمية للعالم العربي. وسوف ينقلب الحلم الضائع إلى كابوس عندما سيفتح الفراغ الايديولوجي والسياسي الذي خلفه إحهاض مشروع النهضة والتقدم والتحديث الباب أمام عودة القوى القديمة التي كانت ناقمة على هذا المشروع أو متضررة منه، والتي كانت تنتظر الفرصة السانحة لتنقض على منجزاتها وتقيم نظامها الخاص وتعززه في وجه أي مقاومة او معارضة قادمة.

وإذا تأملنا في كل ذلك، سيكون من السهل أن نكتشف بأن جذور الاوضاع المأساوية التي نعيش، لا تمتد بالضرورة بعيدا في التاريخ، وإنما تكمن في النظام الاجتماعي والاقليمي الجديد الذي ولد على أنقاض النظام العربي القومي الذي رفع توقعات العرب التاريخية إلى السماء قبل أن يتركهم يسقطون على رؤوسهم، وصرعى خصومهم التاريخيين. ففي سياق هذا النظام الجديد أمكن لإسرائيل، التي كانت لا تطمح إلى أكثر من الاعتراف العربي بوجودها، إطلاق مشاريع التوسع الاستيطاني في ما تبقى من فلسطين وغيرها من الأراضي العربية المحتلة من جديد بعد توقف طويل، وفيه استعادت الدول الغربيةالنفوذ الذي فقدته او كادت، وأصبحت تشارك بقوة إن لم تصغ أجندة السياسة الإقليمية وتوجهاتها الكبرى، وتعززت مواقع وقوة ونفوذ النظم السياسية المحافظة وامساكها بزمام المبادرة العربية، وصعدت طبقة رجال المال والأعمال والرأسمال الكبير الخاصة إلى الواجهة، على انقاض ما كان يسمى بالاقتصادات الوطنية المركزية المعتمدة على ملكية الدولة والخطط التنموية والأهداف السياسية الوطنية الواضحة.

ولو أردنا الاختصار لقلنا إن جراثيم أو عوامل الأزمة العميقة التي تعيشها المجتمعات العربية والتي تضعف من إنجازاتها أو تفسد مضمونها في جميع الميادين، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، تتلخص في أربع كلمات رئيسية: الاحتلال، التبعية، النظم الأبوية، واقتصاد التجارة والسمسرة وهدر الموارد الذي تتكفل به على أفضل وجه طبقة من رجال المال والأعمال الباحثين عن مراكمة الثروة وتعظيمها، من دون تفكير بأي مشروع يهدف إلى تأمين مستقبل الأجيال القادمة او يعزز استقلال الشعوب وسيادتها واستقرارها أو يساهم في بناء اقتصاد منتج يخلق ما يحتاجه المجتمع من فرص عمل جديدة ويعزز الطلب على العلم والبحث والتقنية، أي يحدث المجتمعات العربية في العمق، ويفتح للعربي باب الأمل والثقة بالذات وبالمستقبل. هذه هي مصادر الأزمة الفعلية، وما تبقى قنابل دخانية، لا قيمة لها سوى في طمس العلل الحقيقية والتغطية عليها وتبريرها.