اسلاموفوبيا

2010-05-05:: الاتحاد

ترجمة :

استخدم الكثير من المحللين الاسلاموفوبيا، أو الخوف المرضي من الاسلام، ليفسر السياسات الغربية المعادية للعرب، ليس داخل البلدان الغربية فحسب، وإنما على الصعيد العالمي أيضا. بل يبدو هذا الخوف في نظر الكثيرين وكأنه المسؤول الرئيسي عن الضغوط التي يتعرض لها العرب من قبل أوروبا والولايات المتحدة، والحروب التي استهدفتهم في العقود الأخيرة، وفي مقدمها الحربين الدوليتين ضد العراق عام 1991 وعام 2003، والحروب التي خاضها الغرب، بالتحالف مع اسرائيل، وبمساعدتها، في لبنان وفلسطين. كما أنه الدافع إلى إطلاق العديد من المبادرات السياسية والاقتصادية الجماعية، وآخرها مبادرة الشرق الأوسط الكبير، بالإضافة إلى المبادرات الأوروبية الثنائية. وكلها تهدف إلى حث الحكومات العربية على ضبط الأوضاع الأمنية والاقتصادية لدرء مخاطر صعود الحركات الاسلامية السياسية، وإعادة هيكلة المنطقة لضمان استقرارها وازدهارها وتفاعلها مع العالم المحيط بها. وهناك من يستخدم هذا الخوف نفسه لتبرير السياسات الأمنية الاستثنائية الموجهة نحو العرب، بما في ذلك دعم حروب إسرائيل التوسعية، وتعميق التحالف وتعزيز الشراكة الاستراتيجية والسياسية معها.

وإلى هذا الخوف المرضي من الاسلام ترجع في نظر هؤلاء أيضا الحملات الإعلامية، ودخول العديد من الكتاب وقادة الرأي الغربيين في منافسة مفتوحة لتسويد صفحة الثقافة العربية والدين الاسلامي معا. ومنها التصريحات وإصدار القوانين التي ارتبطت بقضية منع الحجاب في المدارس الفرنسية في الثمانينات، والتي استمرت عبر قضية الرسوم الكاريكاتورية التي تداولتها العديد من الصحف الغربية. والتي تعود اليوم في صورة أخرى عبر قانون منع البرقع الذي بدأ تطبيقه الشهر الماضي في فرنسا، وصادق عليه هذا الأسبوع البرلمان البلجيكي بانتظار أن يعمم مثيله في كل البلدان الأوروبية. وكان البابا ببنوا السادس عشر قد عبر، في محاضرته التي ألقاها في 26 سبتمبر 2006 والتي وصف فيها الاسلام بأنه رديف العنف أو مرتبط طبيعيا بالعنف، ولا يوجد من دونه، عن هذا الخوف المرضي من الاسلام والتشكيك في صدقية سلام المسلمين. وهذا ما تسعى اوريانا فلاشي في كتابها قوة العقل إلى تأكيده عندما تذكر بأن الرسول محمد (ص)، بعكس المسيح الذي توفي كما تقول على الصليب وموسى الذي رأي من بعيد أرض إسرائيل، زحف على رأس جيوشه فاتحا لتحقيق النصر. ولا تكتفي فلاشي بتقديم هذه الصورة القاسية والمشوهة للاسلام ورسوله فحسب، ولكنها تذهب أبعد من ذلك لتنتقد الغرب على ضعفه وتهاونه تجاه المسلمين، ولتحرض على الحرب وتطالب الغرب بالرد على العنف الاسلامي بعنف مماثل، مهددة بأن أوروبة سوف تسير إلى الانتحار إذا لم ترد على التحدي الاسلامي. ولم يتخلف عن مثل هذه التصريحات، ولو بلغة أكثر حذرا، العديد من رؤساء الدول الغربية الذين أطلقوا صرخات التحذير نفسها في أوقات مختلفة، من جورج دبليو بوش إلى فلادمير بوتين إلى سيليفيو برلسكوني إلى المستشارة ميركيل.

ينبع الخوف من الاسلام والمسلمين في نظر المحللين من تواتر العنف الذي يبدو وكأنه يميز حياة المسلمين على جميع الأصعدة، الاجتماعية والسياسية والدينية، والذي يعكس هو نفسه طبيعة القيم التي تنظم حياتهم، وتجعل منهم مجتمعات مختلفة في توجهاتها وقواعد سلوكها وأهدافها عن بقية مجتمعات العالم. ومن هنا يعتقد قسم كبير من الغربيين أن النزاع القائم بين العرب والغرب هو النتيجة الطبيعية والحتمية للتناقض العميق بين منظومة القيم القرسطوية الاسلامية ومنظومة القيم الغربية الحديثة المرتبطة بالحرية والمساواة والتسامح والتعددية.

هكذا أصبح الخوف والشعور بالخطر المرتبط به يشكلان اليوم منطلق أي تفكير بالمنطقة وأي موقف تجاه ما يجري فيها، بما في ذلك الموقف من الاحتلال والاستيطان وانتهاك حقوق الانسان وإعاقة الديمقراطية ومشاكل التنمية والعلاقات الدولية.

والواقع ليس للاسلاموفوبيا علاقة كبيرة بالخوف. فهي تطلق على نوع من المخاوف المرضية التي لا تعبر عن وجود مخاطر حقيقية، ولا تشكل تعبيرا صحيحا وصادقا عنها، بمقدار ما هي تركيب ذهني يخلط بين وقائع وتخيلات ومسبقات ومشاعر متعددة، تشكل هي نفسها منبعا لتعزيز الخوف واختلاق التهديدات وتضخيمها. فهي لا تفسر الخوف من الاسلام ولكنها تستخدم هذا الخوف لتبرير سياسات تجد جذورها ومحركها في مكان آخر.

في هذا المنظور تنقلب الوقائع رأسا على عقب. فالاسلاموفوبيا تظهر العداء للآخر، وهنا العرب والمسلمين، بمثابة رد الفعل الطبيعي على عدوان قائم أو منتظر من قبل هؤلاء أنفسهم، وتلتقي في هذا المجال مع فكرة الحرب الاستباقية وتبررها. فهي تفترض أن أصحاب الثقافات الأخرى يكنون للغرب عداءا عميقا ودائما بسبب تناقض قيمهم الخاصة، النافية للعقل والتعددية والحرية، مع قيم الثقافة الغربية.

والحال، ليس ما يؤرق أعداء الغرب ويثير نقمتهم غرب الفنون أو غرب العلوم أو غرب التقنية. ولا هو غرب الصناعة ولا غرب التسلية ولكن غرب السياسة. ما يزعج خصوم الغرب وأعداؤه، وهم لا يقتصرون على العرب والمسلمين، ليس أخلاقيات مواطنيه وطبيعة علاقاتهم ومنظومات قيمهم، وإنما خياراته السياسية، الخارجية منها بشكل خاص، وتجسيداتها في شبكات السيطرة والتلاعب بمصير الشعوب الضعيفة، والتي تشكل هي نفسها العقبة الرئيسية أمام تملك هذه الشعوب وسائل الاندراج في العصر والمشاركة الايجابية في السياسات الدولية. وهي الأسباب ذاتها التي كانت ولا تزال توجه الأغلبية الواسعة من الرأي العام العالمي في البلاد المسماة نامية ضد الغرب ونماذج إدارته السيئة للشؤون الدولية، بما في ذلك قوى غربية واسعة وقفت ولا تزال ضد سياسات الحكومات الغربية الخارجية وحروبه المستمرة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حقل العلاقات الدولية الحديث. فما تأخذه الشعوب على هذه السياسات ليس الحداثة الفنية أو الأدبية أو العلمية أو التقنية أو الصناعية، بل ولا نماذج الحياة الغربية الاجتماعية، والقيم التي توجه سلوك أفراده، مهما تباينت هذه القيم مع القيم العربية أو الاسلامية، وإنما بالعكس، تلك الاستراتيجيات الهيمنية، الاستعمارية وشبه الاستعمارية وما بعد الاستعمارية التي تحول بين الشعوب الفقيرة، أي غالبية سكان الأرض، والوصول إلى الموارد المادية واللامادية التي لا أمل لها في التحرر والتقدم والترقي من دونها.

من هنا، ليس هذا الخوف المسمى مرضيا مرضيا إلى الدرجة التي يفترض أنه كذلك. إنه يشكل هو نفسه ذريعة لتمرير اختيارات سياسية لا يمكن تبريرها في أي منطق أخلاقي، وبشكل خاص في منطق الأخلاق الانسانوية لعصر الأنوار لذي يمثل مرجعية الغرب الحديث الأساسية. ولا يمكن أن ننسى أن إسرائيل لا تكف عن اللعب بورقة الخوف منذ عقود لتضفي شرعية سياسية على خيارات عنصرية تجعل من الاحتلال والاستعمار تعلة لاغتصاب الأرض من أصحابها والاستيطان فيها، ضد جميع الأعراف الدولية والشرائع الدينية والأخلاقية.