أي استراتيجية خلاص للعالم العربي

2004-02-17:: BG.BLOG

ترجمة :

هناك إجماع عربي اليوم بين جميع تيارات الفكر والسياسة المتنافسة أو المتضاربة، بل بين جميع قطاعات الرأي العام على مختلف مستوياتها وتوجهاته، على أمرين رئيسيين. الأول أن ما تعيشه المجتمعات العربية هو حالة من التقهقر والانهيار والبؤس يصل إلى درجة المحنة. والثاني أن أركان هذه المحنة وعناصرها الكبرى هي الاستبداد السياسي والإخفاق الاقتصادي والفراغ الثقافي والروحي، وما ينجم عن ذلك من تدهور في شروط الحياة المادية والفكرية والمعنوية وفساد للمباديء القانونية والأخلاقية وامتهان لكرامة الأفراد وحرياتهم وحقوقهم الأساسية وفي النتيجة وضع الفئات الحاكمة بالقوة والعنف يدها على موارد البلاد وتوظيفها العلني لخدمة مآربها السياسية والاجتماعية.
لكن إذا كان هناك إجماع عربي اليوم على تشخيص الداء الذي تعاني منه المجتمعات العربية إلا أن العرب لا يزالون مختلفين على أمرين رئيسيين يتعلقان بعلاج هذا الداء. الأول هو طبيعة النظام الأمثل لمواجهة المحنة الراهنة والخروج منها، هل هو النظام المستمد من مباديء الشريعة الدينية أم من مباديء العقل الوضعي، هل هو نظام الديمقراطية أم نظام الشورى، هل هو نظام الفردية الحرة والمواطنية المتساوية أم هو نظام الجماعة والتكافل الديني أو الجمعي، إلخ. والثاني هو طريق أو منهج العمل للخلاص من المحنة الراهنة.

وفي هذا المجال تتنازع الجمهور العربي ثلاثة برامج أو أجندات يشكل تضاربها وعدم القدرة على التنسيق في ما بينها مصدر التشتت الفكري والانقسام والصراع السياسي والضياع الاستراتيجي الذي تعيشه المجتمعات العربية. الأول هو برنامج الحرب الوطنية أو والحضارية والثاني هو برنامج الإصلاح أو إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية والثالث هو برنامج التحويلات الديمقراطية.
ينطلق البرنامج الاول من الايمان بأن ما تعيشه الأمة العربية أو العربية الاسلامية اليوم هو حرب حضارية معلنة للتحكم بمصير المجتمعات العربية والاسلامية جميعا وربما للقضاء عليها، وأن المطلب الرئيسي اليوم لتغيير الأوضاع ووقف التدهور والانحطاط هو تأمين وسائل النجاح على هذه الجبهة الخارجية. ويشكل التيار الاسلامي الرديكالي رأس الحربة في الدفاع عن برنامج المواجهة الخارجية لكنه لا يقتصر عليها. فهو يجمع بين قطاعات واسعة من الحركات القومية التي فقدت الثقة بقياداتها التقليدية وبرامجها السابقة ونقلت ميدان معركتها من الصراع ضد القوى العميلة المحلية المتحالفة مع الأجنبي كما كانت تفعل في السابق إلى الصراع على الساحة الدولية مباشرة. وفي نظر هؤلاء تتلخص محنة المجتمعات العربية والوضع المأساوي الذي وصلت إليه في سيطرة القوى الأجنبية وبشكل خاص القوى الغربية المعادية على مقدرات الشعوب العربية، سواء بصورة مباشرة عن طريق الاحتلال كما هو الحال في فلسطين والعراق اليوم أو عبر التحالف مع الفئات الحاكمة المحلية، وتحكمها بمصير البلاد ومواردها. وليس هناك مخرج للمجتمعات العربية من هذه المحنة التي تعيش فيها إلا بالتخلص من هذه السيطرة بأشكالها المتعددة الثقافية والسياسية والاجتماعية والعسكرية.
إن الذي يوحد بين جميع قوى المقاومة الخارجية دفاعا عن الهوية والسيادة هو الاعتقاد إذن بأن المجتمعات العربية تعيش حالة مواجهة بل حالة حرب مع الدول الغربية الاستعمارية أو شبه الاستعمارية، وأن جميع الجهود ينبغي أن تنصب اليوم في معركة دحر السيطرة الغربية والتحرر منها. وشعار هذه القوى جميعا هو العمل على كسر شوكة الغرب والابتعاد عن كل ما يمكن أن يقسم صف العرب والمسلمين أو يفرق بينهم ويبعدهم عن المعركة الرئيسية هذه. ومن هنا يأخذ العمل على تعميق الانتماء والولاء لعالم الاسلام دينا وجماعة أهميته القصوى ليس عند الحركات الاسلامية فحسب، وهو أمر منتظر، ولكن حتى عند الحركات القومية التي كانت أميل إلى العلمانية. فهو يشكل في نظر قوى المقاومة جميعا اليوم المصدر الرئيسي للتعبئة الوطنية تماما كما يصبح اللقاء بين القوى الاسلامية الوطنية والقوى القومية مهمة رئيسية على جدول أعمال الحركة العربية الرامية إلى تعزيز الهوية والروح الاستقلالية.
لا ينفي أصحاب هذا البرنامج المشاكل الأخرى التي تعاني منها المجتمعات العربية ولا ينكرون أهمية التحرر من انظمة القهر أو حتى محاربتها والتخلص منها كما لا ينفون ضرورة القيام بإصلاحات داخلية ومؤسسية أساسية في الدول والمجتمعات ولكنهم لا يعتقدون أن لها اليوم الاولوية. أو بمعنى آخر إنهم يعتقدون أن المدخل إلى مثل هذه الاصلاحات وإلى تقويض أسس النظم التسلطية هو بالضبط الضرب المستمر على رأس الأفعى وأساس الشر الذي هو نظام التسلط الغربي العالمي الذي لا يشكل القهر في البلاد العربية إلا أحد إمتداداته ولايمثل الحاكمون فيه إلا صنائع له. وهذا هو نمط التفكير الذي قاد الحركات الاسلامية التي عملت في العقود الماضية على محور تحقيق الاصلاحات السياسية والاجتماعية الوطنية إلى التحول أكثر فأكثر، مع اكتشافها انسداد الطريق أمام هذه الاصلاحات، نحو العمليات الخارجية ونقلها المعركة إلى الساحات الدولية.
هذا هو السياق الذي يفسر تعاطف قطاعات سياسية أو عقائدية أو اجتماعية واسعة مع برنامج المقاومة السياسية والمسلحة ودفاعها عن أي نظام يتبنى شعارات العداء للغرب ويشهر به وبسيطرته الاستعمارية، حتى لو جاء ذلك في إطار دعائي ومن قبل أنظمة استبدادية فاسدة وجائرة. ومن هذا المنطلق أيضا يمكن أن نفهم نمط التفكير الذي جعل الكثير من الحركات الوطنية التي بدأت تتحول نحو الديمقراطية والعديد من الحركات الاسلامية التي تعرضت لقهر كبير تميل إلى أن تغفر للأنظمة الدموية منذ اللحظة التي تتعرض فيها للتهديدات الاسرائيلية أو الأمريكية.
هناك إذن بالتأكيد برنامج وطني يشغل بال قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والاسلامي ويعتبر أن جوهر العمل للاصلاح والخروج من المحنة التي تعيشها الأمة العربية والاسلامية يكمن في تركيز جميع الجهود على جبهة المواجهة مع السيطرة الامبريالية والصهيونية المجسدة اليوم في الاحتلالين الاسرائيلي والأمريكي للعراق. ولا يرتبط هذا البرنامج الذي يعبر عن نفسه عبر العداء للامبريالية الأمريكية وإسرائيل، وربما الحضارة الغربية عموما، بفلسفة واحدة سياسية أو دينية. إنه يجمع بين قطاعات من الرأي العام العربي متنوعة المذاهب والمشارب، قومية وإسلامية ويسارية معا. وتنبع قوة هذا البرنامج الوطني وثبات فاعليته وجاذبيته من الاعتقاد العميق الذي خلفه استهتار التحالف الغربي بالمصالح العربية عموما، وبشكل خاص في فلسطين، بأن لمنطقة العربية والاسلامية مستهدفة من قبل التحالف الغربي بسبب ما تنطوي عليه من مصادر الطاقة وفي سبيل حماية الاستقرار والأمن والتوسع الاسرائيلي، وأن إرادة السيطرة الغربية المتجسدة في السياسات العدوانية ضد العرب هي المسؤولة عن إخفاق التنمية وتعزيز نمط حكم الاستبداد وتدهور الأوضاع وفشل برامج الاصلاح والنهضة جميعا في البلاد العربية. بل أكثر من ذلك، أن استمرار هذه السيطرة يحرم المجتمعات من التحكم بمصيرها ويغلق عليها كل أبواب النجاة. وينجم عن ذلك أنه لا مخرج للعرب والمسلمين من المأزق الذي يجدون أنفسهم فيه إلا بتقويض أسس هذه السيطرة الغربية والأمريكية بشكل خاص، ليس في المنطقة العربية فحسب وإنما في العالم أجمع أيضا، طالما أن السيطرة الشرق أوسطية ما هي إلا امتداد للسيطرة العالمية. وهناك من يعتقد بالفعل أنه ما إن يتحقق تقويض هذه السيطرة أو إضعافها حتى تتقوض من تلقاء نفسها الأسس التي تقوم عليه نظم الاستبداد والتسلط القائمة في المنطقة وبالتالي حتى تنشأ فرص أفضل لقيام نظم أكثر تمثيلية وتعبيرا عن إرادة المجتمعات العربية والاسلامية.
لا ينبع إذن التمسك بهذا البرنامج الذي فات أوانه في معظم دول العالم الأخرى من تصورات وهمية أو تثبتات عقائدية متحجرة أو شوفينية قومية كما يعتقد الكثير من الباحثين الأجانب والعرب معهم اليوم، ولكنه يستند بقوة إلى واقع عنيد وعنيف من الصعب تجاهله أو إشاحة النظر عنه هو واقع الحرب الاستراتيجية المستمرة التي قادتها ولا تزال تقودها الدول الغربية منذ عقود ضد الشعوب العربية للتحكم بمصيرها ومواردها وفرض الأمر الواقع عليها، ومثالها ورمزها الرئيسي الحرب الاسرائيلية المدعمة من الخارج في فلسطين والرامية إلى تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وقبول الدول الكبرى جميعا تقريبا بمشروع نظام التمييز العنصري الذي فرضته إسرائيل وتحاول تكريسه بالجدار العازل. فمن الآلام الناجمة عن العنف التي تستخدمه قوى السيطرة الخارجية تنبع مشاعر العداء والرفض القومي والديني للسياسات الغربية ويستمد برنامج المواجهة قوته وزخمه كما تؤمن حركات المقاومة الوطنية والاسلامية شعبيتها الواسعة ونفوذها في أوساط الملايين وتضمن ما يشبه الشرعية أو على الأقل التبرير شبه الأخلاقي لعمليات يذهب ضحيتها في فلسطين والعراق والعديد من الدول العربية الأخرى التي تحولت إلى ساحات مواجهة آلاف المدنيين.

وكما أن من الخطأ في اعتقادي تجاهل القلق الشعبي العميق من استمرار الضغوط الخارجية العسكرية والسياسية والثقافية على الرأي العام العربي، من الخطأ أيضا التقليل من الأهمية التي يتمتع بها برنامج المقاومة العربية للسيطرة الخارجية أو الاستهانة بالتعاطف الذي يحظى به. وربما كان برنامج المقاومة ولا يزال البرنامج الأقوى بين جميع الخيارات السياسية في أوساط الفئات الشعبية. وبالمثل أعتقد أنه من الخطأ الاستهانة بحجم النفوذ المعنوي الذي تتمتع به القوى التي تأخذ على عاتقها مهمة المواجهة الخارجية. خاصة وأنها تكاد تنفرد لوحدها، من دون القوى الرسمية أو القوى الديمقراطية في الرد على اعتداءات يعيش الرأي العام آثارها وصراعاتها يوما بيوم وبالصور الحية ويدفع فيها من دمه ومن خبزه اليومي ومن أمنه ومستقبل أبنائه.

فبقدر ما تبدو الحاجة ملحة وهائلة لمواجهة السيطرة الخارجية تبدو الساحة العربية والدولية مفتقرة إلى قوى جدية وذات صدقية قادرة على أن تتحمل أعباءها أو تأخذ على عاتقها جزءا من مهام تحقيقها. وهو ما يضفى غلى المقاومة الاسلامية الراهنة، بالرغم مما تتميز به غالبا من طابع جزئي ومشتت وارتجالي، قيمة وآثارا رمزية تتجاوز بكثير نتائجها الفعلية. فهي تحتل مسرحا هجرته القوى الأخرى الوطنية والديمقراطية، الأهلية والرسمية، منذ عقدين. فالقوى الرسمية، مثلها مثل أغلب الأحزاب والتجمعات الديمقراطية اليسارية والليبرالية أصبحت حساسة لمسائل إصلاح مؤسسات الدول القائمة وتحسين عملها وفاعليتها أكثر مما هي حساسة للتخلص من السيطرة أو الهيمنة العالمية وتغيير نظام العلاقات الدولية. فهل تملك هذه البرامج البديلة فرصا أكبر لإنقاذ الأمة العربية؟ هذا موضوع مقالات تالية.

في تناقضات برنامج الاصلاح العربي
من استراتيجية المقاومة إلى استراتيجية الاصلاح

برهان غليون

قلت في مقال سابق أن هناك ثلاث برامج متضاربة اليوم في الفضاء السياسي العربي. الأول هو البرنامج الذي يعتبر أن الأولوية ينبغي أن تعطى في العمل العام لمقاومة الهيمنة والسيطرة الغربية بشتى أشكالها. وقلت أيضا أن هناك بالتاكيد مشكلة فعلية وراء المواجهة العربية الاسلامية والغربية. ويقع الموقف من إسرائيل وسياساتها العدوانية في قلب هذه المشكلة. وإذا لم يكن هناك مشكلة في استمرار التركيز على هذه الأجندة الوطنية وعلى التناقض بين المصالح العربية والغربية كما يسعى البعض إلى الايحاء باسم الديمقراطية أو نهاية الحقبة الوطنية، فهناك من دون شك خطأ في طريقة معالجة هذه الأجندة،أي في الاستراتيجية التي صاغها من يتمسك بها في سبيل التخلص من السيطرة الأجنبية. فهي استراتيجية تقود إلى معركة لا يمكن حصرها ولا تحديد مكانها وزمانها ولا التحكم بانتشارها ولا قطف ثمارها في أي أجل منظور. بل ربما قادت، وهو ما يحصل بالفعل اليوم، إلى المزيد من الدمار والفوضى في المنطقة العربية نفسها. فخوض المعركة من منظور نحن أو الغرب يعني الحرب الدائمة التي تتماشى مع بعض تيارات الإدارة الأمريكية والغربية الداعية إلى حرب الحضارات والمواجهة مع عالم إسلامي تعتبره موطن العداء للغرب ومصدره. باختصار إن حل مسألة التناقض العميق الواضح بل والمركزي بالنسبة لمصير المنطقة العربية والاسلامية من منظور المواجهة العسكرية غير ممكن. ولا بد من إعادة النظر إلى مسألة هذا التناقض ومعالجته من منظور جديد آخر. أي إعادة طرح الصراع على أرضية مختلفة وفي إطار مختلف أيضا. وهو ما سنتحدث عنه في ما بعد. لكن من المؤكد أنه في غياب أي منظور آخر للعمل في هذا الميدان، تبدو هذه المنظمات وكأنها الوحيدة التي تحمل هم الوقوف في وجه الطغيان العسكري والسياسي والفكري الغربي الراهن وتتحمل مسؤولية مقاومته وكسر شوكته.

إلى جانب برنامج المقاومة الذي تتزعمه اليوم العديد من الحركات الإسلامية وبعض الحركات القومية العربية والذي يستمد قوته مما يحصل في فلسطين والعراق وغيرهما من الاماكن الإسلامية هناك في العالم العربي برنامج آخر هو برنامج الاصلاح الاقتصادي والإجتماعي والسياسي. يعتقد قطاع كبير من النخب الحاكمة وبعض ممثلي الطبقات الوسطى العربية أن خط المقاومة القومية والوطنية والدفاع عن السيادة والاستقلال قد أخفق تماما في تحقيق أهداف الأمة العربية وأن عصر المقاومة الوطنية قد انتهى على أي حال وأننا ندخل اليوم عصر العولمة الذي تختفي فيه الحواجز الدولية القومية والاقتصادية. وفي هذاالعصر يحتل تحسين شروط معيشة الناس وتحقيق حد أدنى من النمو الاقتصادي والوصول إلى درجة ما من ممارسة التعددية السياسية والحريات الفردية موقع الأولوية. ويختلف هنا الاصلاحيون بين فريقين. الفريق الأول يعتقد أن المطلوب هو تحقيق الإصلاح الاقتصادي والإداري الضروري لخلق الشروط اللازمة لرفع مستويات المعيشة وتخفيف التناقضات والتوترات الاجتماعية وتحديث الأجهزة الإدارية والأمنية قبل البدء بأي إصلاحات سياسية ديمقراطية. ومن دون ذلك لا يمكن ضمان أن لا يتحول الانفتاح السياسي وإطلاق الحريات الفردية إلى مناسبة لتفجر النسيج الاجتماعي وزيادة فرص التدخل الخارجي في الحياة الاجتماعية والسياسية. أما الفريق الثاني فيعتقد على العكس أن من غير الممكن النجاح في الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية من دون تغيير قواعد العمل السياسية وإدخال مباديء الديمقراطية في الحياة العربية.
وفي الحالتين تفترض أولوية الإصلاح تجميد المقاومة بل الخروج من موقف المواجهة والمجابهة مع الدول الغربية والسعي بجميع الوسائل لدفعها للتعاون معنا. فكما تتنافى أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري مع فتح الساحة السياسية والمخاطرة بتفجير الوحدة الوطنية وتعميق الصراعات الداخلية من دون نتيجة فهي تتنافى أيضا مع الاستمرار في خوض معركة الكفاح ضد السيطرة والهيمنة الخارجية. فالتحديث والتطوير والإصلاح الاقتصادي والإداري يعتمد بشكل رئيسي على التعاون الدولي وبشكل خاص مع الدول المسيطرة او الطامحة إلى السيطرة. ولا يمكن تحقيق أي تقدم فيه من دون تجنب المواجهات الخارجية ووضع حد للتوترات المرتبطة بها، أي من دون أقفال ملف النزاعات الخارجية والحروب.
هذا هو المنطق الذي دفع العديد من النظم العربية وفي مقدمها النظام المصري منذ السبعينات من القرن الماضي إلى الخروج من المواجهة العربية الاسرائيلية التي اعتبرتها وجها من وجوه المواجهة العربية الأمريكية كما شرحها الرئيس الراحل أنور السادات عندما قال إنه غير مستعد لمواجه أمريكا التي تقف وراء إسرائيل. فمنطق التنمية الاقتصادية يستدعي التعاون والتبادل الحر والاستثمار ولا يتفق مع منطق المواجهة والصراع والحرب سواء أكان إقليمية أو عالمية.
ومؤخرا اكتشف النظام الليبي الذي كان يتبنى صراحة استراتيجية المواجهة العالمية ويمول منظماتها ويدعو لها مأزق اختياراته القديمة وسعى إلى الخروج منها بصورة دراماتيكية من خلال تسليمه بتدمير برامج تسلحه الخاصة. وهو ما أدركه النظام السوري أيضا بعد تردد طويل بسبب احتلال اسرائيل لجزء من الأراضي السورية وصعوبة التحلل من الالتزامات الوطنية من دون أن يعني ذلك التسليم بضياع هذه الأراضي أو بقائها تحت الاحتلال.
وبصرف النظر عن سياسات الفئات العربية الحاكمة والطرق التي اتخذها انسحابها من المواجهة الوطنية او القومية التي كانت تعيش عليها حتى وقت قريب كمصدر للتعويض عن غياب الشرعية القانونية أو الديمقراطية، ليس برنامج الاصلاح الاقتصادي والإداري برنامجا مصطنعا أو وهميا ولكنه برنامج أصيل وحتمي. وهو يستجيب لمصالح تتجاوز مصالح الفئات الحاكمة التي تريد من خلاله أن تحافظ على بقائها وسيطرتها في ظروف تغير البيئة الدولية وزيادة التحديات الخارجية. ومن هنا تأمل هذه الفئات من تطبيق هذا الإصلاح في تجديد أسس شرعيتها أو بالأحرى في أن يقدم لها فرصة لايجاد شرعية مستمدة من النجاح في التنمية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة بدل الشرعية القومية والوطنية البائدة. وهذا هو الوضع الذي سمح ببقاء النظام التونسي مابعد البورقيبي واستمراره حتى اليوم. وهو الوضع الذي يقدم كمثال ينبغي أن يحتذى وتحلم العديد من الفئات العربية الحاكمة أن تحتذي به كي تعيد تكريس سلطتها وتضفي عليها بعض الشرعية.
وإلى مثل هذا الخيار الإصلاحي تدفع أيضا المؤسسات الدولية المالية والاقتصادية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الحرة. وتدفع إليه كذلك الدول الصناعية. والتشجيع على تبنيه هو المقصود من برامج الشراكة التي أصبحت اليوم صيغا وشعارات سائدة لإعادة ترتيب العلاقات بين هذه الدول والبلدان الفقيرة والضعيفة. ومن هذه الشراكات التي تتنافس على استعادة المنطقة العربية إلى دائرة نفوذها الاقتصادي الشراكة الاوروبية المتوسطية والشراكة الأمريكية الشرق أوسطية التي اقترحها الرئيس بوش الابن في إطار دعوته لإقامة منطقة تجارة حرة بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية. ومنها أخيرا المبادرة المشتركة الأمريكية الأوروبية الاخيرة لنشر الديمقراطية فيما سمي منذ أشهر الشرق الاوسط الكبير.
وبالفعل، يتعارض خيار الاصلاح الاقتصادي والإداري تعارضا جذريا مع خيار المواجهة والحرب ضد الغرب والامريكيين بل أكثر فأكثر اليوم والاسرائيليين أيضا. وهو ما يفسر التفاهم الحقيقي والعميق الحاصل بين واشنطن والحكومات العربية حول الحرب ضد الارهاب والتفاهم ضد المنظمات الجهادية التي كانت تستخدم في السابق من قبل هذه الحكومات نفسها، بصورة غير مباشرة، كأداة للتهديد والضغط. وفي هذا السياق يمكن أيضا تفسير التخلي شبه الكامل للنظم العربية عن الحركة الوطنية الفلسطينية التي أصبحت تكافح وحدها في مواجهة القوة الاسرائيلية العاتية المدعمة سياسيا وإعلاميا ودبلوماسيا من قبل الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص. وهو ما يكمن وراء نجاحها في تطوير مشروعها الاستيطاني علنا ومن دون أي رد فعل عربي أو دولي وإقامة جدار عازل يقضي على أي أمل للفلسطينيين بالعيش في فلسطين كمجتمع او كناس أحرار.

هكذا يشكل برنامج الاصلاح استراتيجية كاملة ومتكاملة ولا يمكن له إلا أن يقود إلى التفاهم والتعاون الكامل مع الدول الصناعية بصرف النظر عن موقفها من أي قضية وطنية أخرى. ولذلك فهو يحمل في طياتها أيضا مشروع انقلاب كامل في السياسات والاستراتيجيات العربية التقليدية تجاه كل ما يتعلق بالخارج وبالمسائل ذات الطابع الوطني أو القومي. وهو يقود في العالم العربي اليوم بشكل واضح ومنهجي إلى تفكيك الجامعة العربية أو تمزيقها بوصفها إطارا لتحالف عربي قديم في سياق التخلي عن الغايات والأهداف والمصالح المشتركةوسعي كل دولة من دولها إلى إعادة بناء التحالفات الإقليمية بصورة معاكسة تماما لما كان سائدا من قبل. ونشهد اليوم كيف تلتحق كل دولة بالقوة الجاذبة التي تسيطر عليها أو التي تعتقد أن من الممكن أن تقدم لها الفائدة والمتفعة والحماية في إطار تطبيق برنامج إصلاحها الاقتصادي والاداري الخاص وانكفائها على نفسها في وجه الدول العربية الأخرى.